تمّ بحمد الله تعالى هذا البحث بعد التّحرّي، والعناية، على قدر المستطاع، والموضوع له أهمية كبيرة، وجدير بالعناية من الباحثين والعلماء المخلصين، وما ذلك إلا لأن الربا آفة خطيرة على الأمة الإسلامية؛ لأن الربا مضاد لمنهج الله تعالى فيجب على جميع المسلمين التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ففيهما الخير كله، وفيهما سعادة البشرية - لمن تمسّك بهما وعمل بما فيهما من أحكام وتوجيهات - في الدنيا والآخرة.
أما بالنسبة لهذا البحث المتواضع فقد بذلت فيه جهدًا طيبًا إن شاء الله تعالى، ومن نتائج هذا البحث استعراض بعض المسائل المهمة التي يجب على كل مسلم أن يعرفها؛ ليجتنب الوقوع فيما حرّم الله تعالى عليه ومنها:
1ـ الوقوف على الأدلة القطعية في تحريم الربا، وأن من خالف هذه النصوص فقد أذن الله بمحاربته سبحانه وتعالى، ومن يستطع أن يقف لمحاربة الله تعالى؟
2ـ ذكر موقف اليهود من الربا عندما حرمه الله عليهم، فاحتالوا بشتى الحيل، حتى أكلوا الربا مجاهرة، وخداعًا لله، ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم.
3ـ الوقوف على عادات الجاهلية قبل الإسلام، وأنهم كانوا في حالة يرثى لها، من تكالب على المال، ولو كان طريقه محرمًا وضارًّا. كما وقفنا على فساد عقولهم، وانتكاس فطرهم التي فطر الله الناس عليها.
4ـ إن الإسلام عندما حرّم الربا فإنه لم يترك البشرية بدون تعويض عنه، بل أحلّ البيع، وجميع أنواع المضاربات المشروعة، التي تعود على الفرد والمجتمع بالخير، والبركة، والسعادة.
5ـ إن آكل الربا ملعون، ومطرود من رحمة ربه تعالى، كما دلّت على ذلك السنة الصحيحة.
6ـ الوقوف على أنواع الربا، وأنه ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما محرّم بالكتاب والسنة والإجماع.
7ـ جواز بيع الحيوان بالحيوان، وجواز التفاضل، والنساء في الطعام غير المكيل، والموزون، وغير الذهب والفضة.
8 ـ عدم جواز الدين في الصرف، بل لا بد من المقابضة الحالة بين المتصارفين، وكذلك بيع الذهب بالفضة دينًا أو الفضة بالذهب دينًا إلى أجل.. وهذا أمر لا يجوز لوجود الأدلة الصحيحة من السنة على تحريم ذلك.
9ـ عدم جواز بيع ما يسمى (بمد عجوة) وهذا الاسم معروف عند الفقهاء.
10ـ بيع العينة محرم بنص السنة الصحيحة، وقد وقع فيه أكثر أهل هذا العصر، إلا من عصم الله.
11ـ استعراض بعض النصوص التي تأمر بالابتعاد عن الشبهات فإن من وقع في الشبهات وقع في الحرام، وأن الجسد كله تابع للقلب؛ فبصلاح القلب تصلح جميع الأعضاء وبفساده تفسد كلها.
12ـ الوقوف على مضار الربا وآثاره، ومفاسده، وأنه لا صلاح ولا سعادة ونجاة ولا خلاص إلا باتباع المنهج الإسلامي في جميع شئون الحياة.
13ـ تحذير المسلمين من المعاملة بالربا، أو إيداع الفائض من أموالهم في بنوك دول الكفر، التي تستفيد من هذا الفائض، أو تستخدمه ضدّ المسلمين.
14ـ تبيين بعض محاسن الإسلام، وأنه دين السعادة، والهداية ودين الرحمة والعطف، والتراحم بين المسلمين، وقد مثلتهم السنة في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا" (1) فهذا فضل عظيم امتن الله به على المسلمين المخلصين الصادقين في إسلامهم.
15ـ ذكر أسباب تحريم الربا، وأن الله عز وجل له الحكمة البالغة، ومعرفة الحكمة من الأحكام الشرعية لسنا ملزمين بمعرفتها ولله الحمد. فإن عرفنا الحكمة في بعض الأمور فزيادة علم وخير، وإن لم نعرف عملنا بما أمرنا ربنا، وانتهينا عمّا نهانا سبحانه ونقول: سمعنا وأطعنا، وربنا هو الحكيم فيما شرع، الخبير بذلك سبحانه وتعالى.
16ـ بيان حكم العملة الورقية من الناحية الشرعية.
17ـ عدم جواز بيع السلع وهي في مكانها حتى تنقل.
18ـ بيان حكم بيع الذهب المستعمل بذهب جديد ودفع الفرق وأنه لا يجوز.
19ـ عدم جواز التعامل مع البنوك الربوية والعمل فيها؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.
20ـ عدم جواز بيع أسهم البنوك ولا شرائها، لأنها بيع نقود بنقود.
21ـ عدم جواز عقد القرض الذي يجر منفعة.
22ـ تحريم التأمين التجاري والتأمين على الحياة، لما في ذلك من الغرر، والجهالة، وأكل أموال الناس بالباطل.
وختامًا أسأل الله العلي العظيم أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن يزيد من قرأ هذا الكتاب، أو نشره، أو طبعه، علمًا وهدى، وتوفيقًا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهذا جهد المقل فما كان فيه من صواب فمن الله الواحد المنَّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ:"ضَعْ وتَعَجَّلْ"؟
الحمدُ لله وبعد .
إن من عقود البيع القديمة والمعروفة في كتب الفقهاء صورةً يقالُ لها: ضَعْ وتَعَجَّلْ .
وفي هذا البحث البسيط سنبينُ صورةَ هذا البيع وأقوال العلماء فيه مع ذكر الرجح منها .
صُورتُهُ:
عرفه بعض أهل العلم: تعجيل الدين المؤجل في مقابل التنازل عن بعضه .
ويقال أيضا: التنازل عن جزء من الدين المؤجل ودفع الجزء الباقي في الحال .
خلافُ العلماءِ:
اختلف العلماء في حكم صورة هذا العقد على ثلاثة أقوال:
-القولُ الأولُ:
جواز الوضع والتعجل .
-واستدلوا:
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله ، إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل . قال: ضعوا وتعجلوا .
رواه الحاكم (2325) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
ورواه الطبراني في الأوسط .
وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: وفي صحته نظر .
وقد أجازها من الصحابة ابن عباس رضي الله عنهما .
روى سعيد بن منصور ومن طريقه البيهقي (6/28) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يقول: أعجل لك وتضع عني . وإسناده صحيح .
وقال بجوازها النخعي من التابعين وزُفر من أصحاب أبي حنيفة وأبو ثور من أصحاب الشافعي . وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال في الاختيارات ( ص 134) : ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالا وهو رواية عن أحمد وحُكي قولا للشافعي .ا.هـ.
واخيتار تلميذه ابن القيم قال في إعلام الموقعين (3/371) : لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل وهذا يتضمن راءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما ولم يكن ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا . فإن الربا الزيادة وهي منتفية هنها . والذين حرموا ذلك قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله:"إما أن تربي وإما أن تقضي"وبين قوله:"عجل لي وأهب لك مئة". فأين أحدهما من الآخر ؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح .ا.هـ.
وافتى بجواز هذه الصورة المجمع الفقهي وكثير من الهيئات الشرعية وهذه بعض الفتاوى:
(1) البخاري 1/122، برقم 481، ومسلم 4/1999، برقم 2585.