أما العقوبات الفردية, فبالإضافة إلى ما يلحق الفرد من آثار العقوبات الجماعية بصفته أحد أفراد المجتمع فإن من يتعامل بالربا يعاقب عقوبات خاصة وهي على نوعين: عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية.
أما العقوبات الدنيوية فأهمها:
• محق المال: فإن المال الربوي وإن كثر فإن مصيره إلى الزوال والفناء, وإن مآل أصحابه الفقر والذل. لقوله تبارك وتعالى: (يمحق الله الربا) .
• نكد العيش المتمثل بعدم الاستقرار النفسي والاضطراب الأسري وتعثر أسباب الكسب من التجارة أو الصناعة أو الزراعة.
• إن من يتعامل بالربا مرتكب كبير وهو في نظر الشرع الشريف فاسق, ساقط العدالة, وقد يؤدي أكل الربا والتعامل به إلى كفر صاحبه إن استحله أو سوء الخاتمة إن هو واظب على أكله ولم يتب.
وأما العقوبات الأخروية فأهمها:
• الفضيحة والخزي يوم القيامة, فإن من يأكل الربا يبعث يوم القيامة وقد انتفخ بطنه لا يستطيع أن يمشي مع الناس إلى أرض المحشر لثقل بطنه فهو يمشي لكنه كلما قام سقط. فيجمع الله عليه عذابين عذاب السقوط على الأرض, وعذاب لفح النار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر. قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) ]البقرة: 275، 276[.
• العذاب في جنهم, لأن من يتعامل بالربا مرتكب كبير من الكبائر وعليه من الإثم ما يستحق بسببه الدخول في جهنم وأخذ نصيبه من العذاب. (وذلك إن لم يتب قبل موته وتحسن توبته) .قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون, واتقوا النار التي أعدت للكافرين) .
وهو من السبع الموبقات, والمتعامل به ملعون من قبل الله تبارك وتعالى كما تقدم.
ولما روي: (الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) , (الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام) .
الخاتمة والنتائج
أعد هذا البحث بعد التّحرّي، والعناية، على قدر المستطاع، والموضوع له أهمية كبيرة، وجدير بالعناية من الباحثين والعلماء المخلصين، وما ذلك إلا لأن الربا آفة خطيرة على الأمة الإسلامية؛ لأن الربا مضاد لمنهج الله تعالى فيجب على جميع المسلمين التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ففيهما الخير كله، وفيهما سعادة البشرية - لمن تمسّك بهما وعمل بما فيهما من أحكام وتوجيهات - في الدنيا والآخرة.
أما بالنسبة لهذا البحث المتواضع فقد بذلت فيه جهدًا طيبًا إن شاء الله تعالى، ومن نتائج هذا البحث استعراض بعض المسائل المهمة التي يجب على كل مسلم أن يعرفها؛ ليجتنب الوقوع فيما حرّم الله تعالى عليه ومنها:
1 الوقوف على الأدلة القطعية في تحريم الربا، وأن من خالف هذه النصوص فقد أذن الله بمحاربته سبحانه وتعالى، ومن يستطع أن يقف لمحاربة الله تعالى؟
2 ذكر موقف اليهود من الربا عندما حرمه الله عليهم، فاحتالوا بشتى الحيل، حتى أكلوا الربا مجاهرة، وخداعًا لله، ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم.
3 الوقوف على عادات الجاهلية قبل الإسلام، وأنهم كانوا في حالة يرثى لها، من تكالب على المال، ولو كان طريقه محرمًا وضارًّا. كما وقفنا على فساد عقولهم، وانتكاس فطرهم التي فطر الله الناس عليها.
4 إن الإسلام عندما حرّم الربا فإنه لم يترك البشرية بدون تعويض عنه، بل أحلّ البيع، وجميع أنواع المضاربات المشروعة، التي تعود على الفرد والمجتمع بالخير، والبركة، والسعادة.
5 إن آكل الربا ملعون، ومطرود من رحمة ربه تعالى، كما دلّت على ذلك السنة الصحيحة.
6 الوقوف على أنواع الربا، وأنه ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما محرّم بالكتاب والسنة والإجماع.
7 جواز بيع الحيوان بالحيوان، وجواز التفاضل، والنساء في الطعام غير المكيل، والموزون، وغير الذهب والفضة.
8 عدم جواز الدين في الصرف، بل لا بد من المقابضة الحالة بين المتصارفين، وكذلك بيع الذهب بالفضة دينًا أو الفضة بالذهب دينًا إلى أجل.. وهذا أمر لا يجوز لوجود الأدلة الصحيحة من السنة على تحريم ذلك.
9 عدم جواز بيع ما يسمى (بمد عجوة) وهذا الاسم معروف عند الفقهاء.
10 بيع العينة محرم بنص السنة الصحيحة، وقد وقع فيه أكثر أهل هذا العصر، إلا من عصم الله.
11 استعراض بعض النصوص التي تأمر بالابتعاد عن الشبهات فإن من وقع في الشبهات وقع في الحرام، وأن الجسد كله تابع للقلب؛ فبصلاح القلب تصلح جميع الأعضاء وبفساده تفسد كلها.
12 الوقوف على مضار الربا وآثاره، ومفاسده، وأنه لا صلاح ولا سعادة ونجاة ولا خلاص إلا باتباع المنهج الإسلامي في جميع شئون الحياة.
13 تحذير المسلمين من المعاملة بالربا، أو إيداع الفائض من أموالهم في بنوك دول الكفر، التي تستفيد من هذا الفائض، أو تستخدمه ضدّ المسلمين.
14 تبيين بعض محاسن الإسلام، وأنه دين السعادة، والهداية ودين الرحمة والعطف، والتراحم بين المسلمين، وقد مثلتهم السنة في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا"] البخاري 1/122، برقم 481، ومسلم 4/1999، برقم 2585[فهذا فضل عظيم امتن الله به على المسلمين المخلصين الصادقين في إسلامهم.
15 ذكر أسباب تحريم الربا، وأن الله عز وجل له الحكمة البالغة، ومعرفة الحكمة من الأحكام الشرعية لسنا ملزمين بمعرفتها ولله الحمد. فإن عرفنا الحكمة في بعض الأمور فزيادة علم وخير، وإن لم نعرف عملنا بما أمرنا ربنا، وانتهينا عمّا نهانا سبحانه ونقول: سمعنا وأطعنا، وربنا هو الحكيم فيما شرع، الخبير بذلك سبحانه وتعالى.
16 بيان حكم العملة الورقية من الناحية الشرعية.
17 عدم جواز بيع السلع وهي في مكانها حتى تنقل.
18 بيان حكم بيع الذهب المستعمل بذهب جديد ودفع الفرق وأنه لا يجوز.
19 عدم جواز التعامل مع البنوك الربوية والعمل فيها؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.
20 عدم جواز بيع أسهم البنوك ولا شرائها، لأنها بيع نقود بنقود.
21 عدم جواز عقد القرض الذي يجر منفعة.
22 تحريم التأمين التجاري والتأمين على الحياة، لما في ذلك من الغرر، والجهالة، وأكل أموال الناس بالباطل.
وختامًا أسأل الله العلي العظيم أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن يزيد من قرأ هذا الكتاب، أو نشره، أو طبعه، علمًا وهدى، وتوفيقًا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهذا جهد المقل فما كان فيه من صواب فمن الله الواحد المنَّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
1 الربا من معاملات اليهود والمشركين: