كان من أعظم أمور الجاهلية، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال عن طريقه؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس في حجة الوداع حينما خطبهم فقال:"ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ثم قال: وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله" (1) .
واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سببًا من أسباب عقوبتهم كما قال الله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما.
{النساء: 160، 161} .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه" (2) .
ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم، ونشروا المعاملات المحرمة، وحطموا أسعار كثير من العملات، وأفقروا كثيرًا من الشعوب.
فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله تعالى من المشركين واليهود، وكفى بذلك إثمًا وخسرانًا.
2 أنه محاربة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم:
جاء الزجر عن الربا في كتاب الله تعالى عنيفًا شديدًا؛ إذ هو من الذنوب العظائم القلائل (3) التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله.
وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله تعالى بإشهار السلاح، وإزهاق الأرواح، واغتصاب الأموال، وترويع الآمنين، وقطع السبيل؛ فإن أكلة الربا يحاربون الله تعالى بدمار المجتمعات، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى الفساد في الأرض، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة الخوف، وقلة الأمن.
إن أَكَلَةَ الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق، ولا يأخذون المال عنوة؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم!! وينتهبون أموال الناس وهم يربتون على أكتافهم!!
إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق؛ ولكنها أوسع نطاقًا، وأكثر تنظيمًا ومخادعة؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال بالقوة؛ وقد قال الله تعالى محذرًا منها: يا أيها الذين آمنوا \تقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون {البقرة: 278، 279} .
وويل ثم ويل لمن حارب الله تعالى وهو يمشي على أرضه، ويأكل رزقه، وينعم بفضله. قال ابن عباس رضي الله عنهما:"يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب" (1) . وعنه رضي الله عنه قوله في معنى الآية:"فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله" (2) .
وقال قتادة السدوسي رحمه الله تعالى:"أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون؛ فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا" (3) ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى سوء خاتمة أكلة الربا (4) .
3 أن فيه كفرًا لنعمة المال:
لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال، ولم يشكر نعمة الله تعالى به عليه؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثمًا، فكان كافرًا لنعمة ربه عليه؛ فمآل ماله إلى المحق ونزع البركة، كما قال الله تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم {البقرة: 276} . قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"أي لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بآكل أموال الناس بالباطل" (1) .
4 أن الربا مخل بالإيمان:
كل معصية تخل بإيمان العبد، وعلى قدر المعصية يكون اختلال الإيمان؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مذهب السلف الصالح وأتباعهم بإحسان، وقد قال الله تعالى في شأن الربا: وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين {البقرة: 278} ، قال القاسمي رحمه الله تعالى:"فبيّن أن الربا والإيمان لا يجتمعان" (2) .
ولذا كان المتعامل حقيقًا باللعن والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى. قال جابر رضي الله عنه:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء" (3) .
5 أنه من المهلكات للأفراد والأمم:
أما الأفراد فقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الربا من التسع الموبقات (4) ، ثم عده في السبع الموبقات (5) التي حذّر منها وأمر باجتنابها.
وأما على مستوى الأمم فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه:"ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله"
وكفى بذلك زاجرًا عنه للأمم التي تود المحافظة على اقتصادها، وتخشى الكوارث والنوازل.
6 الربا أعظم إثمًا من الزنا:
ورد في السنة النبوية أحاديث كشفت حقيقة تلك الجريمة النكراء، وأبانت بشاعتها وقبحها بما يردع كل مؤمن بالله تعالى والدار الآخرة عن مقاربتها بَلْهَ مقارفتها؛ ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" (7) .
وكذا حديث عبد الله بن حنظلة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" (1) .
قال الشوكاني رحمه الله تعالى:"قوله: أشد من ست وثلاثين... إلخ"يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور، بل أشد منها؛ لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح" (2) ."
ومن نظر في هذين النصين وشواهدهما من السنة النبوية تبين له أن قليل الربا أعظم من كثير الزنا، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا؛ حيث سماه الله تعالى فاحشة وساء سبيلًا، ونهى عن الاقتراب منه كما قال تعالى: ولا تقربوا الزنى"إنه كان فاحشة وساء سبيلا {الإسراء: 32} ، وحرمت الشريعة الطرق المفضية إليه، وسدت الذرائع الموصلة له. وفيه خيانة كبرى لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها. ويؤدي إلى فساد الأخلاق، وارتفاع الحياء، واختلاط الأنساب، وفشو الأمراض، وحصول الشكوك، وتبرؤ الزوج من نسبة ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك، وربما حصل عنده شك في أولاده من زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت. وحد غير المحصنين الجلد والتغريب، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن يتوبوا، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوى فيه أجسادهم."
رغم ما تقدم كله فإن الدرهم من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية؛ فإذا كان هذا في درهم واحد فكيف بحال من يأكلون الألوف من الربا بل الملايين والمليارات؟!
وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا، ومن كان كسبه من فوائد الربا الخبيثة، ومن كانت وظيفته كتابة الربا، أو الدعاية له، أو حراسة مؤسسته؟!