فهرس الكتاب

الصفحة 1109 من 1226

وما هو مصير جسد ما نبت إلا من ربا، وأولادٍ ما أطعموا إلا من كسبه الخبيث وما غُذّيت أجسادهم إلا عليه، فما ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت؟

الصلة بين الربا والزنا:

إن المتأمل للحديثين السابقين وما في معناهما يجد أن ثمة علاقة وثيقة بين جريمتي الربا والزنا، وأن الربا أشد جرمًا من الزنا؛ فما هو السر في ذلك يا ترى؟!

إن الذي يظهر لي والعلم عند الله تعالى أن من أهم أسباب انتشار الزنا في الأمم تعامل أفرادها بالربا، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها، أما الزنا فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتها وولدها ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا لم يكن ثمة مجاهرة به، وإقرار له (1) .

إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة، والفجوة بين الفقراء والأغنياء التي تزداد اتساعًا وانتشارًا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير كلما اقترض تضاعفت ديونه، وازداد فقره واشتد جوعه؛ حتى يُضْعِفَ الفقر والجوع والحاجة غيرته على عرضه، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد مالي يقلل فقره ويشبع بطنه. وما زنت الزانية المحتاجة أول ما زنت إلا لما جاع بطنها، وصاح رضيعها واحتاج أهلها، ولربما أمرها وليها بالزنا عوذًا بالله من أجل أن تطعم أسرتها. وإذا انكسر حياؤها مرة فلن ينجبر أبدًا حتى تتخذ الزنا مهنة لها إلا أن يشاء الله تعالى؛ والواقع يشهد ذلك في كل البلاد التي عمّ فيها الربا، وزال من أفرادها الإحسان؛ حتى أصبح المال في أيدي عدد قليل من عصابات المرابين، وأما بقية الناس فيغرقون في ديونهم، ويموتون جوعًا وفقرًا. فالربا ليس سببًا في وقوع الزنا فحسب؛ بل هو سبب لانتشاره في الأمم، وإذا كان الزنا جريمة أخلاقية؛ فإن الربا جريمة أخلاقية مالية تجر إلى كوارث عدة من انتشار البطالة والفقر والجوع والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة.

7 المتعامل بالربا يُعذَّب في قبره وعند نشره:

الربا من المعاملات التي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمه، الآخذ والمعطي فيه سواء.

وآكل الربا يُبعَث يوم القيامة وهو يتخبط في جنونه كما قال تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

{البقرة: 275} .

قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى:"يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق" (2) ، وقال وهب ابن منبه:"يريد إذا بُعِثَ الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى"نصب يوفضون {المعارج: 43} إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس؛ وذلك لأنهم آكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم؛ فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون" (2) ."

ويشهد لهذا المعنى حديث مرفوع فيه ضعف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها حيات تُرى من خارج بطونهم؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أَكَلَةُ الربا" (1) .

وأما عذابه في البرزخ فكما جاء في حديث المنام عن سمرة بن جندب رضي الله عنه وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، فيأتي ذلك السابح إلى ذلك الذي جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا حتى يذهب به سباحة إلى الجانب الآخر"وذكر في تفسيره في آخر الحديث أن ذلك السابح الناقل للحجارة آكل الربا (2) .

قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى:"إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر. وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا، وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه" (3) .

8 أن المتعامل به ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء" (4) .

قال النووي رحمه الله تعالى:"هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين، والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل" (5) .

وقال الصنعاني:"أي دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة، وهو دليل على إثم من ذكر وتحريم ما تعاطوه، وخص الأكل؛ لأنه الأغلب في الانتفاع، وغيره مثله" (6) .

أضرار الربا الدنيوية:

إذا تلوثت الأجواء أصاب كلَّ من يتنفس الهواء نصيبٌ من هذا التلوث، وإذا تكدرت المياه دخل شيء من كدرتها جوف كل شارب منها، وهكذا يقال في كل شيء متلوث يباشره الناس، حتى الأموال إذا داخلها الكسب الخبيث أصاب المتعاملين بها بيعًا وشراءً، وأخذًا وعطاءً شيء من خبثها وسحتها؛ فكيف إذا كانت بنية الاقتصاد العالمي على الكسب الخبيث؛ وفقًا للنظرية الرأسمالية المبنية على الحرية المطلقة في الأموال، والمقررة أن الغاية تسوِّغ الوسيلة؟ فلا شك والحال ما ذكر أن تتلوث الأموال عالميًا بالكسب الخبيث؛ حتى إن من حاول الاحتراز والتوقي يصيبه رذاذ خبث الأموال، وغبار الربا المتصاعد منها، مصداقًا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره" (1) .

وإذا كان الأمر كذلك فإن حصول أضرار دنيوية اقتصادية واجتماعية وغيرها متحقق ولا مفر منه في كل أمة انتشر فيها الربا وما يتبعه من كسب خبيث كما دلت على ذلك النصوص والعقل وواقع حال البشر في هذا العصر الذي علا فيها شأن الاقتصاد المبني على الربا على الشؤون الأخرى.

ومن تلكم الأضرار الدنيوية ما يلي:

1 أن الربا سبب للعقوبات ومحق البركات:

قال الله تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم {البقرة: 276} ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون {الروم: 39} .

والآيتان دالتان على مباركة المال بالصدقة لترغيبهم فيها، ومحقه بالربا لترهيبهم وتنفيرهم منه، لا سيما أن النفوس البشرية تحب تملك المال وتنميته وتموله؛ فقد تتقاعس عن الصدقة شحًا به، وتتعامل بالربا تنمية له؛ فبين الله تعالى أن البركة تحصل بالصدقة، والمحق يحصل بالربا.

قال الرازي:"لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده؛ وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير؛ فبين تعالى أن الربا وإن كان في زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصانًا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف؛ بل يعول على ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف" (2) .

والظاهر أن محق الربا للمال يكون في الدنيا والآخرة؛ لعموم النصوص وعدم تخصيصها المحق بدار دون أخرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت