فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 1226

"وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور، والشبهة التي تجول في بعض القلوب، والعتاب الذي تجيش به بعض الأرواح، وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق، متروكين لا يأخذهم العذاب، ممتعين في ظاهر الأمر، بالقوة والسلطة والمال والجاه! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم؛ ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يحسبون أن الله - حاشاه - يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان، فيملي له ويرخي له العنان! أو يحسبون أن الله - _سبحانه_ - لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل، فيدع للباطل أن يحطم الحق، ولا يتدخل لنصرته! أو يحسبون أن هذا الباطل حق، وإلا فلم تركه الله ينمو ويكبر ويغلب؟ أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض، وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر! ثم يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين، يلجون في عتوهم ويسارعون في كفرهم، ويلجون في طغيانهم، ويظنون أن الأمر قد استقام لهم، وأن ليس هنالك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم!!!"

وهذا كله وهم باطل، وظن بالله غير الحق، والأمر ليس كذلك، وها هو ذا الله _سبحانه وتعالى_ يحذر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن؛ إنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذي يسارعون فيه وإذا كان يعطيهم حظًا في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه؛ إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء فإنما هي الفتنة، وإنما هو الكيد المتين، وإنما هو الاستدراج البعيد:"وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (آل عمران:178) .

ولو كانوا يستحقون أن يخرجهم الله من غمرة النعمة، بالابتلاء الموقظ لابتلاهم، ولكنه لا يريد بهم خيرًا وقد اشتروا الكفر بالإيمان، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه! فلم يعودوا يستحقون أن يوقظهم الله من هذه الغمرة - غمرة النعمة والسلطان - بالابتلاء!"وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ".

والإهانة هي المقابل لما هم فيه من مقام ومكانة ونعماء.

وهكذا يتكشف أن الابتلاء من الله نعمة لا تصيب إلا من يريد له الله به الخير، فإذا أصابت أولياءه فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم - ولو وقع الابتلاء مترتبًا على تصرفات هؤلاء الأولياء - فهناك الحكمة المغيبة والتدبير اللطيف، وفضل الله على أوليائه المؤمنين).

ويقول في موطن آخر:

"وإنه لمما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي، أو المستهتر الفاسد، أو الملحد الكافر، ممكنًا له في الأرض، غير مأخوذ من الله ولكن الناس إنما يستعجلون؛ إنهم يرون أول الطريق أو وسطه، ولا يرون نهاية الطريق ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق؛ فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق!"

ومن حكمة الله _عز وجل_ في سنة الإملاء للكافرين أن يمكنهم في هذا الإملاء ليزدادوا إثمًا وطغيانًا يندفعون به بعجلة متسارعة إلى نهايتهم التي فيها قصمهم ومحقهم، وقد بدت بوادر المحق في الأمريكان الكفرة وحلفائهم فيما يتعلق بحقوق الإنسان التي يتشدقون بها وغير ذلك من عوامل المحق والقصم، ولكن الله _عز وجل_ بمكره لهم قد أغفلهم عن سوءاتهم وعما يترتب على حماقاتهم وطغيانهم ليحق عليهم سنته _سبحانه_ في القوم الكافرين، كما أن من حكمته _سبحانه_ في إملاء الكافرين وظلمهم وتسلطهم على المسلمين تحقيق للسنة التي سبق الحديث عنها ألا وهي سنة الابتلاء والتمحيص للمؤمنين .

ففي الإملاء للكفار وتركهم يتسلطون على المسلمين في مدة من الزمن ابتلاء وتمحيص للمؤمنين، حتى إذا آتت سنة الابتلاء أكلها وتميز الصف المؤمن الذي خرج من الابتلاء نظيفًا ممحصًا عندئذ تكون سنة الإملاء هي الأخرى قد أشرفت على نهايتها فيحق القول على الكافرين ويمحقهم الله كرامة للمؤمنين الممحصين الذين يمكن الله لهم _عز وجل_ في الأرض ويخلفون الأرض بعد محق الكافرين.

قال _تعالى_:"وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ" (آل عمران:141) .

فذكر الله _سبحانه_ التمحيص قبل المحق ولو محق الله الكفار قيل تهيأ المؤمنين الممحصين فمن يخلف الكفار بعد محقهم إن الله _عز وجل_ حكيم عليم وما كان _سبحانه_ ليحابي أحدًا في سننه ولله _عز وجل_ الحكمة في وضع السنتين سنة الابتلاء وسنة الإملاء في آيتين متتاليتين في سورة آل عمران؛ قال _تعالى_:"وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (آل عمران:178)

"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران:179) .

ولعل من الحكمة - والله أعلم - أن يعلمنا الله _عز وجل_ أن هاتين السنتين متلازمتان ومتزامنتان وأن إحداهما تهيئ للأخرى.

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، الهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه وليك ويذل فيه عدوك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك سميع الدعاء،

اللهم ارحم عبادك الموحدين والطف بهم في العراق وفي كل مكان؛ اللهم احقن دماءهم واحفظ لهم دينهم وأعراضهم.

اللهم فك أسر المأسورين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم اشف صدورنا وأقر أعيننا بنصرة دينك وأوليائك وخذلان أعدائك؛ اللهم قاتل أمريكا وحلفاءها الذين يكذبون رسلك ويعادون أولياءك ويصدون عن سبيلك، وأنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

(1) رواه مسلم ( 2865) .

(2) في ظلال القرآن 3/ 1319 بتصرف يسير.

(3) الاختيارات الفقهية: ص 447.

(4) الاختيارات الفقهية ص 309، 310.

(5) الاختيارات الفقهية ص 448.

(6) إعلام الموقعين 2/176.

(7) تفسير ابن كثير عند الآية ( 179) من سورة أل عمران.

(8) في ظلال القرآن 1/525.

(9) للرد على هذه الشبهات: انظر كتاب ( فاستقم كما أمرت ) للمؤلف.

(10) تحفة الأحوذي ( 2361 ) 6/539 وقال الترمذي: حديث غريب وقال الأرناؤوط في جامع الأصول له شواهد يرتقي بها.

سلمان بن فهد العودة 26/1/1424

دعونا نمنح أنفسنا فرصة الفرح بالضرر الفادح الذي لحق بقوات الغزو الأمريكي للعراق ، وبالمقاومة الصلبة التي فاجأتهم حيث استقبلوا بالرصاص بدل الزهور ، دون أن نؤجل هذا الفرح طمعًا بنصر أوسع ننتظره ، وهو في علم الغيب .

أخافُ على نفسي وأرجو مفازها … …

وأستار غيب الله دون العواقب

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي … …

ومن أين والغاياتُ بعد المذاهبِ؟

ودعونا نفرح مرةً أخرى بعدم تحول الشعب العراقي إلى قطيع من اللاجئين يستجدي لقمة العيش من أيادي الهيئات الدولية والخيرية ، بل ثبت وتمسك بحقه وحقله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت