أيها المسلمون: اجتنبوا الربا وكل كسب حرام؛ فإنه يمنع إجابة الدعاء، ويورث الشقاء، ويجلب أنواع البلاء، ويقسي القلوب، ويغريها بالإثم والفحشاء، لا تسمع من صاحبه الدعوات، ولا تقبل منه الصدقات، ولا يبارك الله في التجارات، ولا يثاب على النفقات، عليه غرمه ولغيره غُنمه.
فاتقوا الله يا أهل الإسلام، واجتنبوا الحرام، واحذروا الآثام ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن استغنى عن شيء أغناه الله عنه، ومن يستعفف يعفه الله ن ومن يتق الله يرزقه الله: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا [سورة الطلاق:2-3] . ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا [سورة الطلاق:4-5] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1809)
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيكثر القيل والقال في كثير من مسائل الدين حين تعرض بصورة قد تماثل الدعاية للشر أو أقل مما يبرز الخير وينبِّه الناس ويحذرهم من التعامل بما يخالف شرع الله سبحانه وتعالى، ولكن النفوس المريضة والتي لم يباشرها الإيمان ويستقر في سويداء قلوبها تصطاد في الماء العكر وتحسن السباحة فيه، وهذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة لأنهم داء عضال ينخر في جسم الأمة المسلمة بإثارة الشبهات وتزييف القول وإعطاء الأمور هالة إعلامية وإثارة القلاقل والفتن في المجتمع والتربص بالمؤمنين للإيقاع بهم، ذلك دينهم وهذا شأنهم في الحياة، وهذا معلوم لدى العلماء وطلبة العلم ولكن عامة الناس الذين يثار في أوساطهم ما يخالف تعاليم الإسلام تنطلي عليهم ألاعيب القوم ومعسول قولهم.
مع علم الجميع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجمل لأحكام الحلال والحرام ووجود المشتبهات بين ذلك والتي لا يعلمها كثير من الناس وأن الذي يتقي الشبهات فإنما يستبرئ لدينه وعرضه بابتعاده عن الوقوع في الأمور المشتبهة فضلًا عن الوقوع في الأمور المحرمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
إن مما يؤسف له في مجتمعات المسلمين اليوم هو تحكيم عقولهم واتباع رغباتهم وشهوات أنفسهم في كثير من أمور دينهم دون مستند من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس بل هو الهوى وتحكيم العقل بعلم وبغير علم، فعندما تثار قضية أو يعرض أي أمر من أمور الشرع سواء كان الشخص خاليًا بنفسه أو في مجتمع، صغر ذلك المجتمع أو كبر نجد تناول ذلك الموضوع بعيدًا عن أدلة الكتاب والسنة والوقوف عندها، نجد تحكيم العقل والواقع والمنطق والهوى، وياله من بعدٍ عن الحق وقربٍ من الباطل. ومن تلك الأمور التي تثار بين الناس أمور واضحة التحريم بنص الكتاب والسنة، وإذا وجد النص من الكتاب أو السنة فلا اجتهاد مع النص، ومنها ما هو داخل في الأمور المشتبهة على بعض الناس أو على كثير منهم، وتثار تلك الأمور إما بقصدٍ حسن لمعرفة الحكم الشرعي أو بسوء قصدٍ لأمور متعددة عند أصحاب المقاصد السيئة، هم أول الناس علمًا بمقاصدهم السيئة.
ومن تلك الأمور السؤال عن الربا، والربا معلوم تحريمه في دين الإسلام بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة سواء كان المتعامل به فردًا أو جماعة أو مؤسسة أو هيئة أو اتخذ أي شكل من الأشكال وصيغة من الصيغ، فالربا حرام في الإسلام التعامل به، وهو من كبائر الذنوب التي تسبب محق البركة وغضب الله عز وجل وعدم قبول العمل والدعاء، وليس التحريم من عالم من العلماء أو شخص من المسلمين وليس لهم ذلك ولا غيره، وإنما حرمه الله عز وجل ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة:275-276] . ثم أعقبها سبحانه بآيات واضحة لمن كان له أدنى بصيرة أو خوف منه عز وجل أو يريد الإيمان إن لم يكن مؤمنًا ومصدقًا بوعد الله ووعيده. فبعد أن ذكر تحريم الربا في الآية السابقة وورد نص قطعي الدلالة لا غبار عليه ويعرفه العالم والجاهل وهو قوله عز وجل: وحرَّم الرِّبا. أعقب ذلك في آية أخرى بمناداة المؤمنين ومخاطبتهم بأحب الأسماء إليهم ليسترعي انتباههم وليترفعوا عن المحرمات ويتقوا الله ويحذروا أليم عقابه بأن يبتعدوا عن الربا إذا كان لديهم إيمان، وإذا لم يفعلوا فهم محاربون لله ورسوله محادون مبغضون لتعاليم الكتاب والسنة، وما أعظم جريمة من يحارب الله ورسوله، فالخزي والعذاب والنكال هو جزاؤه في الدنيا والآخرة. قال تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] . هذه بعض الأدلة من القرآن الكريم، أما من السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله صلى الله عليه وسلم: (( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشهادة الزور ) ). وعن جابر رضي الله عنه قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال:هم سواء ) ). فهذه بعض الأدلة التي تبين تحريم الربا على الفرد والمجتمع وأن من تعامل به وتعاطاه فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ومحارب لله ورسوله.
ومهما كثر المروجون للربا والمتعاملون به فلا يخرجه عن دائرة التحريم قيد شعرة، ولا يغتر المسلم بكثرة الهالكين والواقعين فيه والداعين إليه وإلى غيره من المحرمات، قال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] . وقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] .