فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 1226

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .

أما بعد أيها المسلمون:

فمن الوسائل المثمرة والمفيدة في تنمية المال وزيادة بركته:

أولًا: تكوين الشركات بين الخيرين, ولو بروؤس أمول صغيرة, وعلى شكل أسهمٍ ميسورة, استعدادًا لدخول الأسواق وميادين المنافسة المشروعة.

ثانيًا: دراسةُ أحوال السوق، وتلمس حاجات الناس, ومحاولة تلبية المتطلبات المفقودة بأسعار معقولة.

ثالثًا: محاولةَ أيجادَ بدائل ذات جودةٍ عالية للسلع المعروضة, بأسعار مغرية لتحقيق النجاحات المأمولة .

رابعًا: محاولةُ فتحُ أسواقٍ جديدة لترويج البضائع في المدن الصغيرة، وتلبية احتياجاتها.

خامسًا: حوضُ غمار المنافسات العقارية, عبر شراء المخططات الحديثة وتسويقها بأسعار منافسة.

سادسًا: الاستثمار الصحي, بفتح المصحات وفق ضوابط شرعية, وتلافي المحاذير الموجودة الآن, من اختلاط وخلافه .

سابعاَ: الاستثمار الصناعي والإنتاجي, والزراعي بطرق مدروسة ومتأنية .

أيها المسلمون: إنَّ الإسلام دين الجهاد, والعبادة، ودين الاقتصاد والسياسة, ودين الاجتماع و الإدارة وغيرها. ومنابر الجمع والجماعات، لا ينفي بمعزل عن طرق كلّ هذه المصالح العظيمة, على أساس متين من العلم النافع والمنهج السديد.

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيمانًا يُباشرُ قلوبنا، ويقينًا صادقًا، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

[1] رواه مسلم (1042) من حديث أبي هريرة t .

[2] رواه مسلم (2984) من حديث أبي هريرة t .

الكسب الطيِّب

الخطبة الأولى

الحمد لله ، أمر بالأكل من طيبات الرزق ، كما أمر بشكره وهو الغفور الشكور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

{ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أسوةُ كل صبّارٍ شكور ،

صلواتُ الله وسلامُه عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم النشور

أما بعد:

فيا أيها المسلمون اتقوا الله تعالى وكلوا من طيبات ما رزقكم الله ، واعملوا صالحًا { وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .

معشر المسلمين:

لقد شرع الإسلام طرائقَ لكسب المال , أَذِنَ للناس في إتباعها إذا أرادوا أن يشبعوا رغبتهم الفطريةَ في حب المال وجمعه , وكلُ مال يستفيدُه المسلم من خلال التزامه بطرائقِ الكسبِ الشرعية , يعتبر حلالًا طيبًا , لصاحبه الحقُ في تملكه والانتفاعِ به ، في غير سَرَفٍ ولا معصية ، أما المال الذي يحصل عليه الإنسانُ من وسائلَ أخرى غيرِ مشروعة , فهو مال خبيث , لا يجوز للمسلم أن يتملكه ولا أن ينتفع به ولقد حث الإسلامُ على تحري الكسب الطيب , ولو كان قليلًا ، وحذر من الكسب الخبيث , ولو أعجبَ الإنسانَ كثرتُه ، قال تعالى: { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } قال الحسن رحمه الله: (( الخبيث والطيب: الحلال والحرام ) )وقال القرطبي رحمه الله: هو (( عامٌ في جميع الأمور ، يُتصورُ في المكاسب ، والأعمال ، والناس ، والمعارف من العلوم وغيرها ، فالخبيثُ من هذا كلِه لا يفلح ولا يُنْجِب ، ولا تحسنُ له عاقبة وإن كثر ، والطيب وإن قل ، نافعٌ ، جميلُ العاقبة ) ).

عباد الله:

إن الطَيِّبَ سبب للقبولِ ، واستجابة الدعاء ، كما أن الخبيث بضد ذلك ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } (51) سورة المؤمنون ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } (172) سورة البقرة ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))رواه مسلم .قال بعض العلماء في قوله { كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } : (( قدَّم الله الأكلَ على العمل ، لأن أكلَ الطيِّب يعين على كلِّ خير ، وأكلَ الخبيث يثبِّط عن كل خير ، ويفتح أبوابَ الشر والبلاء ) ).والأكل من الطيب ـ أيها المسلمون ـ سبب لدخول الجنة ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا ، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَكَثِيرٌ ، قَالَ وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي ) )رواه الترمذي رحمه الله . قوله: ( بوائقه ) أي: شروره وفساده . ولقد كان السلف الصالح عليهم رحمةُ الله يتحرون الحلال ، ويتقون المتشابه ، طلبًا للسلامة في دينهم وأعراضهم ، عملًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ ) )رواه البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت