فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 1226

أما قوله أن هذا الربح يمكن جنايته عن طريق التغابن فهذا لا يصح على الإطلاق . فالغبن سواء أكان يسيرًا أو فاحشًا فهو سحت لا يجوز أكله ، بيد أن قيده بالغبن الفاحش ليكون له أثر في العقود لكثرة وقوع الغبن اليسير و عدم أهميته بالمقارنة مع ما يثيره من مشاكل أما القضاء المزدحم بالقضايا الأكثر أهمية و خطرًا منه أي الغبن الفاحش المعتبر أمام القضاء لأهميته و خطورته على السوق و أهله ، فالربح لا يحل للتاجر المسلم ، إلا إذا سلمت معاملاته التجارية من الحرام . أما إذا اشتملت على محرم كالتجارة بالأعيان المحرمة مثل الخنازير و الخمور .... إلخ أو التعامل الربا أو الاحتكار أو الغش أو التدليس ، أو إخفاء سعر الوقت أو التطفيف و نحوها فإن ترتب عليها من الربح يكون حرامًا (22) فالربح الحلال لا يكون عن طريق الغبن الفاحش أو اليسير ذلك أن الربح شئ و الغبن شئ آخر و لا تلازم بينهما أبدًا .

فالغبن هو ما نقص أو زاد على سعر السلعة في السوق أما الربح ، فقد يتحقق و يزيد على سعر السلعة أضعافًا من دون أن يكون هناك أي غبن كأن ياتي أحد التجار بسولع بسعر رخيص من خارج بلدته ُمن يبيعها بسعر السوق مما قد يحقق ربحًا و قدره أكثر من 100% أو ربما أكثر من 200% و دون أن تعتبر ذلك غبنا فاحشًا .

ذلك أن الإسلام لم يضع أي حد للربح بل ترك الأمر مفتوحًا حسب ظروف السوق و أحواله بشرط عدم الغش والغرر و الظلم بين المتعاقدين .

أما بالنسبة لقول ابن عابدين: ليس من مهمة المشرع أن يمنع التغابن المجرد عن الغش والخديعة ... ) .

فإن هذا القول يمكن رده بأن المشرع يمنع كل أنواع الضرر الواقع على السوق الإسلامية و أهله ، لذلك نرى الشارع الحكيم حرم الربا بكل أنزاعه و أشكاله و درجاته و ما الربا حقيقة إلا نوع من أنواع الغبن .

أما بالنسبة للرد على القول القائل بأن على الإنسان أن يحمي نفسه من الغبن و عن قصر في ذلك فتبعة المهمل يجب أن تكون على حسابه .

فهذه الحجة من السهل الرد عليها ذلك أن الشريعة الإسلامية عادلة تحمي الضعيف من القوي كما تحمي القوي من أكل أموال الناس . لذلك نراها قد حرمت تلقي الركبان ، و بيع الحاضر للبادي و ، بيع المسترسل حماية للضعيف من ظلام السوق .

أما بالنسبة عن الحجة التي تقول أن قبول الغبن المجرد يؤدي إلى كثرة المخاصمات و المنازعات .

فأقول: أن عدم قبول المنازعات قد تؤدي إلى غرس روح الفتنة والعدائية بين المتعاقدين الذين يحاولون أخذ حقوقهم بطرق غير شرعية بعيدا عن القضاء و أساليبه الوقائية و العلاجية .

هذا بالنسبة للرد على حجج أصحاب الاجتهاد القائل بعدم فعالية الغبن إلا إذا كان مقترنًا بالتغرير .

أما بالنسبة لمناقشة حجج القائلين بفعالية الغبن المجرد و لو لم يكن مقترنا بالتغرير ، فالحجة التي ليست بصالحهم هي استنادهم على حديث ضعيف جدًا هو: غبن المستلرسل ربا ) (23) الذي قال عنه أهل العلم بأنه ضعيف جدا لا يصح الاعتماد عليه في استنباط الأحكام .

بيد أنهم استندوا أيضا فيما اجتهدوا به إلى أحاديث صحيحة كثيرة بالإضافة إلى ما رواه ابن حزم من آثار تبين فعالية الغبن المجرد و لو لم يكن مقترنًا بالتغرير .

و أخيرًا و مما تقدم يتبين لنا أن الراجح من الاجتهادين هو الاجتهاد القائل: بفعالية الغبن المجرد و لو لم يكن مقترنا بالتغرير . لقوة أدلته التي استند إليها ، ولأن هذا القول يحقق مصالح حسنة للسوق و أهله و للمتعاملين معهم و لما له من دور فعال في مقاومة الظلم و أشكاله .

قال تعالى: ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ( التغابن: 9 ) .

فقد استدل أهل العلم بهذه الآية على أنه: ( لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية ، لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة ، فقال: ذلك يوم التغابن ) و هذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا ، فكل من اطلع على غبن في مبيع ، فإنه مردود ) (24) 0 و الله أعلم .

قال الله تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ( البقرة: 285 - 286)

و الحمد لله رب العالمين

قراءة في"الثقافة العربية في عصر العولمة"

مبارك عامر بقنه

كتاب"الثقافة العربية في عصر العولمة"، هو عبارة عن مجموعة مقالات ومحاضرات ألقاها تركي الحمد في مؤتمرات متنوعة، وفي قراءة سريعة لهذا الكتاب يلحظ القارئ المخالفات الشرعية البينة، والتجاوزات الفكرية الواضحة، ومحاولة الخروج عن قيم ومبادئ المجتمع المسلم. مستخدمًا أسلوب التكرار الممل لكثير من العبارات والأفكار، وذلك لترسيخ الأفكار ـ المراد نشرها وتعميمها ـ في الذهن. وقد حاول الكاتب نقد الثقافة العربية بطريقة موضوعوية [1] وليست موضوعية، مما جعل الكتاب بلا هوية أو انتماء وهذا النهج الفكري القصد منه تمييع القضايا التي يتناولها للدراسة.

الكاتب ونشأة العولمة:

كثر القول في بداية تحديد بداية نشأة العولمة فبعض الباحثين يرجع ذلك إلى نهاية القرن التاسع عشر مع اكتشاف التلغراف، وبعضهم يرجعها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية مع انقسام العالم إلى معسكر شرقي وآخر غربي، ويذهب كثير من المثقفين في تحديد نشأة العلومة إلى نهاية القرن الخامس عشر، معللين ذلك ببداية ظهور الدولة القومية الحديثة، وهذا القول هو القول السائد عند الغربيين، وكثير ممن نقل وترجم عنهم أخذ بهذا القول تقليدًا، ومن هؤلاء الكاتب إذ يقول:"إن العلومة ليست شيئًا جديدًا جاء مع الثورة المعاصرة في الاتصالات والمعلومات، فهي بدأت منذ أن دخلت، أو أنتجت، أوروبا الحداثة في نهاية القرن الخامس عشر [2] "

ومن سبر أغوار التاريخ وقلّب صفحات الماضي يجد أنه في هذا العهد سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وطرد الصليبيون المسلمين من قرناطة عام 1492م، وبدءوا زحفهم على العالم الإسلامي. ولهذا يصف الغربي هذا العهد بأنه بداية العلومة؛ إذ هو بداية إرسال البعثات التنصيرية للعالم الإسلامي. ومن الخطأ الفادح أن نجعل بداية هزائمنا، وتراجعنا عن الريادة، وتعميم النمط الحضاري الغربي والفكر الصليبي في بلاد المسلمين هو بداية العلومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت