فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1226

إن كان متعلق قوله {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [النساء:155] محذوفا على أحد الوجهين المتقدمين كان قوله {فبظلم} مفرعا على مجموع جرائمهم السالفة. فيكون المراد بظلمهم ظلما آخر غير ما عدد من قبل، وإن كان قوله {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [النساء:155] متعلقا بقوله {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} فقوله {فبظلم} الخ بدل مطابق من جملة {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء:155] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل. وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلقه بقوله {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} إذ بعد ما بينه وبين متعلقه، وهو قوله {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء:155] ليقوى ارتباط الكلام. وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه: لأن نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتانا، وقولهم قتلنا عيسى: كل ذلك ظلم. فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدم، كأنه قيل: فبذلك كله حرمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنه أحسن تفننا، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة. وقد مر بيان ذلك قريبا عند قوله تعالى {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [النساء:155] . ويجوز أن يكون ظلما آخر أجمله القرآن.

وتنكير ظلم للتعظيم، والعدول عن أن يقول فبظلمهم، حتى تأتي الضمائر متتابعة من قوله {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ} إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو {الَّذِينَ هَادُوا} لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها: وهي {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [النساء:155] . ولأن في الموصول وصلته ما يقتضي التنزه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا إنا هدنا إليك؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محل استغراب.

والآية اقتضت: أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقابا لهم، وأن تلك المحرمات ليس فيها من المفاسد ما يقتضي تحريم تناولها، وإلا لحرمت عليهم من أول مجيء الشريعة. وقد قيل: إن المراد بهذه الطيبات هو ما ذكر في قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} إلى قوله {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} في سورة الأنعام [146] ، فهذا هو الجزاء على ظلمهم.

نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبار أنه قال نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأن التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان، فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم. قال الفخر: والجواب أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم.

وهذا الجواب مصادرة على أن مما يقوي الإشكال أن العقوبة حقها أن تخص بالمجرمين ثم تنسخ. فالذي يظهر لي في الجواب: إما أن يكون سبب تحريم تلك الطيبات أن ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوة صار ذلك طبعا في أمزجتهم فاقتضى أن يلطف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع، ولذلك لما جاءهم عيسى أحل الله لهم بعض ما حرم عليهم من ذلك لزوال موجب التحريم، وإما أن يكون تحريم ما حرم عليهم عقابا للذين ظلموا وبغوا ثم بقي ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذكرى ويكون للأولين سوء ذكر من باب قوله {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها". ذلك لأنه أول من سن القتل. وإما لأن هذا التحريم عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا التحريم تارة من الثواب على نية الامتثال للنهي، لندرة حصول هذه النية في الترك.

وصدهم عن سبيل الله: إن كان مصدر صد القاصر الذي مضارعه يصد بكسر الصاد فالمعنى بإعراضهم عن سبيل الله؛ وإن كان مصدر المتعدي الذي قياس مضارعه بضم الصاد، فلعلهم كانوا يصدون الناس عن التقوى، ويقولون: سيغفر لنا، من زمن موسى قبل أن يحرم عليهم بعض الطيبات. أما بعد موسى فقد صدوا الناس كثيرا، وعاندوا الأنبياء، وحاولوهم على كتم المواعظ، وكذبوا عيسى، وعارضوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وسولوا لكثير من الناس، جهرا أو نفاقا، البقاء على الجاهلية، كما تقدم في قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء:51] الآيات. ولذلك وصف ب {كثيرا} حالا منه.

وأخذهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائيليين كما في الإصحاح من سفر التثنية لا تقرض أخاك بربا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا.

والربا محرم عليهم بنص التوراة في سفر الخروج في الإصحاح إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا. وأكلهم أموال الناس بالباطل أعم من الربا فيشمل الرشوة المحرمة عندهم، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم، وغير ذلك.

قال تعالى: { فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) [الروم/38، 39] }

قال ابن كثير (1) :

قال: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله -بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي -وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } [المدثر: 6] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه.

وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح يعني: ربا البيع؟ وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا هذه الآية: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } .

وإنما الثواب عند الله في الزكاة؛ ولهذا قال: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما [جاء] في الصحيح:"وما تصدق أحد بِعَدْل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فَيُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوّه أو فَصِيلَه، حتى تصير التمرة أعظم من أُحُد".

وقال السعدي (2) :

أي: فأعط القريب منك -على حسب قربه وحاجته- حقه الذي أوجبه الشارع أو حض عليه من النفقة الواجبة والصدقة والهدية والبر والسلام والإكرام والعفو عن زلته والمسامحة عن هفوته. وكذلك [آت] المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تزيل به حاجته وتدفع به ضرورته من إطعامه وسقيه وكسوته.

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 318)

(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 642)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت