لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب و الفضة بالفضَّة و البرُّ بالبِّر والشعيُر بالشعيِر والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ، مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ) رواه مسلم.
بقلم
عادل بن محمد آل عبد العالي
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .
أما بعد:
راية ارتفعت على رؤوس عدد من الناس ، وظاهرة انتشرت في عدد من البيوت .. إنها الديون التي كبلت أيدي الكرماء ، وأخافت قلوب الأمناء .. داءٌ لابد من الوقوف في وجهه قبل أن يستفحل فلا يُبقي أحدًا .
* لقد تكاثرت الديون على الناس حتى انتهى ببعضهم الأمر إلى السجون أو إلى لجنة تبيع الممتلكات لتُعيد للدائنين أموالهم أو بعضها .
بل تكاثرت الديون حتى أُنشئت مكاتب لتحصيل الديون من هذا وذاك ممن يُماطلون أو لعجز يختفون ويتهربون .
* المحاكم الشرعية تستقبل الشكاوى ، وتتابع القضايا ، والظاهرة مستمرة ، فماذا عسانا أن نفعل ؟
إن أقل ما يمكن فعله في هذا الشأن هو توعيةُ الناس وتذكيرهم بخطورة الديون على أنفسهم حاضرًا ومستقبلًا .. ويشترك في ذلك العلماء والمصلحون من الدعاة والخطباء وأهل الخبرة ، ولعل هذه الرسالة (( حتى لا تغرق في الديون ) )تفي ببعض الذكرى وقد ضمنتها وصايا عديدة اقتبستها من كلام العلماء ومجالس الفضلاء واستفادتها من تجربة المجربين وصيحات النادمين (1) ، والله أسأل أن ينفع بها المسلمين وأن يتقبلها ربي في كفة الحسنات اللهم آمين ... وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وكتبه
عادل بن محمد آل عبد العالي
أمام وخطيب جامع السلام بالدمام
5 صفر 1416 هـ
بين يديك - أخي القارئ - أضع هذه الوصايا ، أنصح بها نفسي وأياك حتى لا نعض أصابع الندم عاجلًا أو آجلًا من ديونٍ قد غرقنا فيها إلى عيون رؤوسنا أو أقل من ذلك بقليل .
الوصية الأولى: استشعر الأحاديث المفزعة في عاقبة الديون:
لقد جاء في السنة النبوية أحاديث صريحة في سوء عاقبة من مات وفي ذمته دين لأحد من الناس ، ومن ذلك:
* ما رواه عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُتي برجل ليصلي عليه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( صلوا على صاحبكم ، فإن عليه دينًا ) ).
وفي رواية: (( لعل على صاحبكم دينًا ) )؟ قالوا: نعم ، ديناران فتخلف - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( صلوا على صاحبكم ) ).
قال أبو قتادة: هو عليَّ [ أي الدين الذي على الميت ] .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( بالوفاء ) )فصلى عليه (2) .
* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ) ) (3) .
قال الصنعاني: (( وهذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولًا بدينه بعد موته ففيه حث على التخلص عنه قبل الموت وأنه أهم الحقوق وإذا كان هذا في الدَّين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما أُخذ غصبًا ونهبًا وسلبًا ) ) (4) .
* وعن عبدالله بن عمرو قال ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( يُغفرُ للشهيد كل ذنب إلا الدين ) ) (5) .
* وعن أبي قتادة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: (( يا رسول الله ، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر ، أيكفر الله عني خطاياي ؟ ) )قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (( نعم ) )فلما ولى الرجل ، ناداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أمر به ، فنودي له فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( كيف قلت ؟ ) )فأعاد عليه قوله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريلُ عليه السلام ) ) (6) .
* وعن محمد بن جحش قال: (( كنا جلوسًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع راحته على جبهته ، ثم قال: (( سبحان الله ماذا نُزل من التشديد ؟ ) )فلما كان من الغد .. سألته: ما هذا التشديد الذي نُزل ؟ فقال: (( والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قُتل في سبيل الله ثم أُحيِيَ ثم قُتل ثم أُحيي ثم قتل وعليه دينٌ ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه ) ) (7) .
وجاء في رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن فلانًا مأسورٌ بدينه عن الجنة فإن شئتم فافدوه وإن شئتم اسلموه إلى عذاب الله ) ).
إلى غير ذلك من أحاديث يتذكر المسلم معها أن الأولى به أن يُعرض عن الاستدانة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، ويسارع لسداد ما عليه ليلقى الله سالمًا غير نادم .
الوصية الثانية: لا تقترض إلا مضطرًا:
* إن الواقع يشهد أن كثيرًا من الناس يقترض دون اضطرار لذلك ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم أن اقترض ، اقترض طعامًا احتاجه ، ورهن درعه عند المُدين ليضمن براءة ذمته ، فعن عائشة رضي الله عنها (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد ) ) (8) .
قال ابن المنير: (( وجه الدلالة منه أنه - صلى الله عليه وسلم - لو حضره الثمن ما أخره ، وكذا ثمن الطعام لو حضره لم يرتب في ذمته دينًا ، لما عُرف من عادته الشريفة من المبادرة إلى إخراج ما يلزم إخراجه ) ) (9) .
ولعل من فوائد الرهن أنه يدعو المستدين إلى أن يكون جادًّا في سداد دينه مُعجلًا غير مؤجل .
وما ذُكر ، يدعونا للرضى بالقليل والقناعة بالموجود وعدم التكلف برفاهية زائدة أو بمظاهر زائفة ، كما قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
* حُدثتُ أن عددًا من الإخوان أغنياء رزقهم الله مالًا وفيرًا إلا واحدًا منهم ، فلما قام أولئك ببناء قصور كبيرة ، سارع هذا ليلحق بصنيعهم فأغرق نفسه بالديون تكلفًا ثم مرت الشهور ، وذاق مرارة الدين فأصيب بضائقةٍ نفسية ، حتى أنه نُقل عنه أنه أصبح لا يغادر بيته إلا شذرًا ، يكاد أن يهلك من حسراته وندمه .
وفي هذا يقول الشيخ محمد العثيمين - رحمه الله -: إني لأعجب من قوم مدينين عليهم ديون كثيرة ، ثم يذهب أحدهم يستدين ، يشتري من فلان أو فلان أثاثًا للبيت زائدًا عن الحاجة ، يشتري كساءً أو فرشًا للدرج ... وهو فقير عليه ديون .. هذا سفهٌ ، سفهٌ في العقل وضلال في الدين ... )) (10) .
الوصية الثالثة: اتق الله قبل الدَّين ومعه:
* فإن العبد إذا اتقى الله وأراد أن يأخذ مالًا ليرفع ضيقًا عن نفسه وأهله ، وصدق العزم في رده عند تيسره لقي من الله الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر قال الله تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [ الطلاق: من الآية4] .
وقال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [ الطلاق: من الآية2- 3] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( من أخذ أموال الناس يُريدُ اداءها أدّى الله عنه ، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله ) ) (11) .