فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 1226

منه في الباطن ، وهو الحق والعدل والإصلاح بين الناس في القضايا الشخصية ،

سواء كان الخصم الشخصي فيها فردًا ، أو جماعة كالشركات أو مصلحة عامة

كالحكومة ، فإذا تعارض نص القانون الحرفي هو وروحه الذي تتحقق به حكمة

الشارع وغرضه فإنهم يسمون من يرجح الأول قاضي القانون ، ويسمون من يرجح

الثاني قاضي العدل والإنصاف ، والفقهاء يفرقون أيضًا بين ما يثبت قضاء وما

يجب تدينًا .

فالمراتب ثلاثة: أعلاها الجمع بين مدلول اللفظ وحكمته المقصودة منه ،

وهما كالجسد والروح للشخص ، ودونها المحافظ على الحكمة وإرجاع اللفظ إليها

ولو بضرب المثل من التأويل ، ودونهما الجمود على الظواهر اللفظية .

وموضوع الحِيَل في الشرائع والقوانين والعقود والوعود والأيمان والنذور بيانًا

وإفتاءً وحكمًا وتنفيذًا دون هذه الثلاثة ، وهو التحول عن مدلول اللفظ الحرفي

بتأويل أو تحريف أو معارضة تقتضي ترجيح غيره عليه ، وإنما يفعله الإنسان هربًا

وتَفَصِّيًا مما يوجبه عليه النص ، والمؤاخذة في القضاء الدنيوي إنما تترتب على

مخالفة النص التي تسمى عصيانًا للشرع والقانون ، فإن كان النص قطعي الدلالة

فلا مفر من العقاب على مخالفته ، وإن كان غير قطعي بأن كان محتملًا لمعنيين أو

أكثر كان الترجيح لأحد معانيه بالاجتهاد ، وكان أقوى وجوه الترجيح مراعاة غرض

الشارع وحكمته من النص . وفقهاء الشرع والقانون متفقون على هذا الأصل ، ومن

كان يدين الله بعلمه وعمله فهو أولى بمراعاته عندما يؤلف أو يفتي أو يحكم .

فمن رجَّح معنى على معنى بالاحتمال اللفظي المخالف لروح التشريع وحكمة

الشارع منه كان متبعًا للهوى لا للحق ، والله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام:

عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ( ص: 26 ) وهذا

الأمر والنهي من أصول الشرع الديني الإلهي الذي لا يُنْسَخ ولا يتغير بتغير

الشرائع ، فهو كالتوحيد في العقائد .

وقد بينا في التفسير وغيره أن نصوص الكتاب والسنة قسمان ( أحدهما ) ما

كان قطعي الدلالة كالرواية وهو الذي عليه مدار التشريع العام الذي عليه مدار

الاجتهاد ، والواجب أن يعذر المختلفون بعضهم بعضًا فلا يكون سبب للتفرق

والعداء بالاختلاف وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل لأمته ، وجرى

عليه خلفاؤه وعلماء صحابته ، وأئمة السلف الصالح من بعدهم قبل حدوث عصبيات المذاهب والشِّيع ، مثال ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ

الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ( البقرة: 219 ) فهم منها بعض

الصحابة تحريم ما إثمه أرجح من نفعه فتركوا الخمر والميسر ، ولم يفهم هذا

الآخرون ولعلهم الأكثرون فظل شرب الخمر شائعًا مباحًا كالميسر الذي كان قليلًا ،

ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركهما ؛ لأن دلالة الآية على تحريمها غير

قطعية إلى أن نزلت آيات سورة المائدة القطعية الدلالة فتركهما الجميع ، وصار

صلى الله عليه وسلم يعاقب من يشرب الخمر . وهكذا كان صلى الله عليه وسلم

يعذر المختلفين في فهم كلام الله تعالى ، وكلامه الظني الدلالة دون القطعي ،

وشواهده كثيرة .

وأما الفقهاء المقلدون فإن منهم من يجعلون نصوص علمائهم أصولًا شرعية

دينية يوجبون الاعتماد على مدلولها اللفظي في العمل والقضاء ويبيحون الحيل

لتطبيق ذلك عليها ، وإن خالف ما هو معلوم بنص المعصوم من مراد الله تعالى

وحكمته ، وما كان مجمعًا عليه ، فهم من الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:

( لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع ، حتى لو دخلوا جحر ضب

لدخلتموه . قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قل: فمن ؟ ) رواه البخاري

ومسلم وغيرهما ، وشر ما اتبعوا فيه سننهم جعل كتبهم ككتاب الله تعالى في التحليل

والتحريم بنصوصها ومفاهيمها ، بل جعلها مقدمة عليه في العمل ، كما فعل أولئك ،

وقد شرحنا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا

مِّن دُونِ اللَّهِ ( التوبة: 31 ) [1] .

واعلم أن هذه الحيل المبسوطة في كتب الحنفية تكاد تعلم الناس التفصي من

أكثر أحكام الشرع الدينية والدنيوية ، فلو لم يتعد أصحابها نصوص كتبهم إلى

نصوص الكتاب والسنة لما كانت جناية على الدين مضعفة أو قاتلة لسلطانه على

القلوب كما علمت مما تقدم في الفتوى الهندية من تعريف الحنفية للربا ، وكونه

خاصًّا ببيع المواد الستة المنهي عنها ، وما ترتب على ذلك من الأحكام المخالفة

لنص القرآن والربا القطعي المعروف عند نزوله ، وعرَّفه الشافعية بأنه( عقد على

عِوَض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في

البدلين أو أحدهما )فهذا التعريف يُدْخِل في الربا القطعي ما ليس منه ، ويخرج منه

ما هو منه ، ويحتمل من الحِيَل ما لا يقبله النص الشرعي كما سيأتي .

والعمدة عند الشافعية في الحيلة حديث أبي سعيد المتفق عليه في إنكاره صلى

الله عليه وسلم بيع الصاعين من التمر الرديء كالجنيب بصاع من الجيد كالبرني

وأمره ببيع الرديء بالدراهم وشراء الجيد بها . قالوا: فهذا نص في جواز مطلق

الحيلة في الربا وغيره ؛ إذ لا قائل بالفرق .

( للموضوع بقية )

(( يتبع بمقال تالٍ ) )

(1) راجع تفسيرها في ص 363 من جزء التفسير العاشر .

حاتم بن عبد الرحمن الفرائضي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فمصدر الفتاوى:

1 معظمها من فتاوى (( اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ) )بالرياض

2 فتوى ل (( المجمع الفقهي الإسلامي ) )المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي

3 فتوى ل (( مجمع الفقه الإسلامي ) )المنبثق عن (( منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة ) )

[[] ] المحتويات:

أولًا: فتاوى تمثل قواعد عامة

ثانيًا: فتاوى عن أهمية معرفة شرعية تعامل الشركة قبل المساهمة فيها

ثالثًا: فتاوى عن الشركات التي قد تتعامل بالربا في بعض معاملاتها !!

رابعًا: فتاوى عن أهمية التزام الشركة بالشريعة الإسلامية

خامسًا: فتاوى عن حكم الشركة بين مسلم وكافر .

سادسًا: فتاوى عن الشركات التي يشك في عدم استقامتها على شرع الله.

أخيرا !! موعظة من خير الكلام خير الهدي .

أولًا: فتاوى تمثل قواعد عامة

[[] ] قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الفتوى رقم ( 16766) برقم ص 352 [[ الأصل في المعاملات الحل والجواز ، ولا يحرم إلا ما دل الشرع على تحرمه مما فيه غرر ، أو تغرير ، أو ربًا ، وأكل لأموال الناس بالباطل ، وعليه فإن المساهمة في أي شركة من الشركات التجارية يترتب بيان الحكم فيها جوازًا وتحريمًا على معرفة نظامها وتعاملها ، فإن كان في تعاملها ما يحرم شرعًا حرمت المساهمة فيها ، وإلا فلا 0] ] الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، عضو: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ، عضو: صالح الفوزان ، عضو: عبد الله بن غديان ، عضو: بكر بن عبد الله أبو زيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت