فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1226

مستحبة ، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي

مستحبة أو مباحة ، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة .

ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول ، هل يصح مطلقًا ، وينفذ ظاهرًا

وباطنًا أو يبطل مطلقًا أو يصح مع الإثم ؟ ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة

كثيرة فمن الأول قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } ( ص:

44 )وقد عمل به صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث

أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا }

( الطلاق: 2 ) وفي الحيل مخارج من المضايق ، ومنه مشروعية الاستثناء ، فإن

فيه تخليصًا من الحنث ، وكذلك الشروط كلها ، فإن فيها سلامة من الوقوع في

الحرج ، ومنه حديث أبي هريرة و أبي سعيد في قصة بلال:( بع الجمع بالدراهم

ثم ابتع بالدراهم جنيبًا ).

( ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث:( حرمت عليهم الشحوم

فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها )وحديث النهي عن النجش ، وحديث:( لعن المحلل

والمحلل له ).

والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود

ألفاظها أو معانيها ؟ فمن قال بالأول أجاز الحِيَل ، ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ

ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها ، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا لا باطنًا ،

ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه

القرائن الحالية . وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية ؛ لكون أبي يوسف صنَّف

فيها كتابًا لكن المعروف عنه ، وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال

صاحب المحيط: ( أصل الحيل قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا } ( ص: 44 )

الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن ، وإن كانت

لإبطال حق مسلم فلا ، بل هي إثم وعدوان ) ا هـ .

أقول: إن هذا الأصل لا ينفعهم ، فإنه تخفيف من الله على نبيه أيوب عليه

السلام فهو نص إلهي استثنائي لا يصح أن يقيس عليه من قال: إن شرع من قبلنا

شرع لنا ، فضلا عمن يقول: ليس شرعًا لنا ، وهو الحق بنص القرآن أو هو من

قبيل خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم في شرعنا . ومثله احتيال يوسف عليه

السلام لأخذ أخيه مع عدم المخالفة لشرع ملك مصر ، وهو مما يستدلون به على

شرعية الحيل ، فإن الله تعالى قال: { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } ( يوسف: 76 ) فهو

إذًا إذن منه تعالى ، فلا يقاس عليه ما يفعل مخالفة شرعه ، وسيأتي الكلام على ما

أشار الحافظ من الأحاديث في أدلة الفريقين .

ثم كتب الحافظ في الكلام على حديث النية منه ما نصه متعلقًا بالموضوع:

( واستدل به من قال بإبطال الحيل ، ومن قال بإعمالها ؛ لأن مرجع كل من

الفريقين إلى نية العامل . وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنف إشارة إلى

بيان ذلك ، والضابط ما تقدمت الإشارة إليه: إن كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو

مطلوب ، وإن كان فيه فوات حق فهو مذموم ، ونص الشافعي على كراهة تعاطي

الحيل في تفويت الحقوق ، فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه ، وقال كثير من

محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ، ويدل عليه قوله:( وإنما لكل

امرئ ما نوى )فمن نوى بعقد البيع الربا ، وقع في الربا ، ولا يخلصه من الإثم

صورة البيع ، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللًا ، ودخل في الوعيد على

ذلك باللعن ، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح ، وكل شيء قصد به تحريم ما أحل

الله أو تحليل ما حرم الله كان آثمًا ، ولا فرق في حصول الإثم في التحيل على

الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له ، والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له .

( واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون ؛ لأنهما ليسا

من أهل العبادة ، وعلى سقوط القود في شبه العمد ؛ لأنه لم يقصد القتل ، وعلى

عدم مؤاخذة المخطئ والنَّاسِي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما ، وقد تقدم ذلك

في أبوابه ، واستدل به لمن قال كالمالكية: اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه

التورية ، وعكسه غيرهم ، وقد تقدم بيانه في الأيمان .

( واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا( اليمين على نية

المستحلف )وفي لفظ له ( يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) وحمله الشافعية على

ما إذا كان المستحلف الحاكم ، واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار

المقاصد بالقرائن كما تقدمت الإشارة إليه .

( وضبط بعضهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام:

( أحدها ) أن تظهر المطابقة إما يقينًا وإما ظنًّا غالبًا . ( والثاني ) أن يظهر

أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينًا وإما ظنًّا ( والثالث ) أن يظهر في معناه ويقع التردد

في إرادة غيره وعدمها على حد سواء ، فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو

لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره ، وإذا ظهرت إرادته

بخلاف ذلك ، فهل يستمر الحكم على الظاهر ، ولا عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما

ظهر من إرادته ؟

( فاستدل للأول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى

الربا ، ونية المتعاقدين فيها فاسدة لكان فساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد

به البيع من هذا الظن ، كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلًا مسلمًا

بغير حق ، فإن العقد صحيح ، وإن كانت نيته فاسدة جزمًا ، فلم يستلزم تحريم القتل

بطلان البيع ، وإن كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق

الأولى ) .

( واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل ، فيصير بها تارة حرامًا وتارة

حلالًا كما يصير العقد بها تارة صحيحًا وتارة فاسدًا كالذبح مثلًا ، فإن الحيوان يحل

إذا ذبح لأجل الأكل ، ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة ، والرجل يشتري

الجارية لوكيله فتحرم عليه ، ولنفسه فتحل له ، وصورة العقد واحد ، والأول قربة

صحيحة ، والثاني معصية باطلة ، وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر

رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم . وقد نقل النسفي

الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من

أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق . ا هـ .

هذا ما كتبه الحافظ في الفتح في حديث النية ، ونقلناه كله ؛ لما فيه من الفوائد

ويقول: إن فقهاء المذاهب كعلماء القوانين الوضعية يستنبطون الأحكام من عبارات

نصوص المذهب من غير نظر في النيات الباعثة على الأعمال ، ولا في موافقة

حكم التشريع وعلله الدينية ، وما يرضي الله ويثيب عليه ، وما يُسْخِطه ويعاقب

عليه ، ويسمون هذه الأحكام شرعية فيفهم الناس أنها شرع الله الذي خاطبهم به

ويحاسبهم عليه ، فما صححوه منها فهو الحلال الذي يرضيه ، وما أبطلوه فمخالفته

حرام يسخطه ، وليس الأمر كذلك بإطلاقه ، بل الحق ما تقدم أنفًا بالإجمال مجملًا ،

وهنا تحقيق القول فيه مفصلًا مؤصلًا .

التحقيق الفلسفي في المسألة:

التحقيق في هذه المسألة: أن الأحكام الشرعية لها نصوص تبينها وتضبطها ،

وحِكَم هي المقصودة بالتشريع والمراد منه ، وعلماء الحقوق وفلسفة القوانين

يعبرون عن هذا الحكم بروح القانون ، وعن الأول بحرفية القانون أو بالمعنى

الحرفي له ، وهم متفقون على أن القاضي العادل هو من يجمع في أحكامه بين

موافقة نص القانون ومدلوله اللفظي الذي هو هيكله الظاهر ، وبين روحه والمقصود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت