مستحبة ، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي
مستحبة أو مباحة ، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة .
ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول ، هل يصح مطلقًا ، وينفذ ظاهرًا
وباطنًا أو يبطل مطلقًا أو يصح مع الإثم ؟ ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة
كثيرة فمن الأول قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } ( ص:
44 )وقد عمل به صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث
أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا }
( الطلاق: 2 ) وفي الحيل مخارج من المضايق ، ومنه مشروعية الاستثناء ، فإن
فيه تخليصًا من الحنث ، وكذلك الشروط كلها ، فإن فيها سلامة من الوقوع في
الحرج ، ومنه حديث أبي هريرة و أبي سعيد في قصة بلال:( بع الجمع بالدراهم
ثم ابتع بالدراهم جنيبًا ).
( ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث:( حرمت عليهم الشحوم
فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها )وحديث النهي عن النجش ، وحديث:( لعن المحلل
والمحلل له ).
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود
ألفاظها أو معانيها ؟ فمن قال بالأول أجاز الحِيَل ، ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ
ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها ، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا لا باطنًا ،
ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه
القرائن الحالية . وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية ؛ لكون أبي يوسف صنَّف
فيها كتابًا لكن المعروف عنه ، وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال
صاحب المحيط: ( أصل الحيل قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا } ( ص: 44 )
الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن ، وإن كانت
لإبطال حق مسلم فلا ، بل هي إثم وعدوان ) ا هـ .
أقول: إن هذا الأصل لا ينفعهم ، فإنه تخفيف من الله على نبيه أيوب عليه
السلام فهو نص إلهي استثنائي لا يصح أن يقيس عليه من قال: إن شرع من قبلنا
شرع لنا ، فضلا عمن يقول: ليس شرعًا لنا ، وهو الحق بنص القرآن أو هو من
قبيل خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم في شرعنا . ومثله احتيال يوسف عليه
السلام لأخذ أخيه مع عدم المخالفة لشرع ملك مصر ، وهو مما يستدلون به على
شرعية الحيل ، فإن الله تعالى قال: { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } ( يوسف: 76 ) فهو
إذًا إذن منه تعالى ، فلا يقاس عليه ما يفعل مخالفة شرعه ، وسيأتي الكلام على ما
أشار الحافظ من الأحاديث في أدلة الفريقين .
ثم كتب الحافظ في الكلام على حديث النية منه ما نصه متعلقًا بالموضوع:
( واستدل به من قال بإبطال الحيل ، ومن قال بإعمالها ؛ لأن مرجع كل من
الفريقين إلى نية العامل . وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنف إشارة إلى
بيان ذلك ، والضابط ما تقدمت الإشارة إليه: إن كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو
مطلوب ، وإن كان فيه فوات حق فهو مذموم ، ونص الشافعي على كراهة تعاطي
الحيل في تفويت الحقوق ، فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه ، وقال كثير من
محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ، ويدل عليه قوله:( وإنما لكل
امرئ ما نوى )فمن نوى بعقد البيع الربا ، وقع في الربا ، ولا يخلصه من الإثم
صورة البيع ، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللًا ، ودخل في الوعيد على
ذلك باللعن ، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح ، وكل شيء قصد به تحريم ما أحل
الله أو تحليل ما حرم الله كان آثمًا ، ولا فرق في حصول الإثم في التحيل على
الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له ، والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له .
( واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون ؛ لأنهما ليسا
من أهل العبادة ، وعلى سقوط القود في شبه العمد ؛ لأنه لم يقصد القتل ، وعلى
عدم مؤاخذة المخطئ والنَّاسِي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما ، وقد تقدم ذلك
في أبوابه ، واستدل به لمن قال كالمالكية: اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه
التورية ، وعكسه غيرهم ، وقد تقدم بيانه في الأيمان .
( واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا( اليمين على نية
المستحلف )وفي لفظ له ( يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) وحمله الشافعية على
ما إذا كان المستحلف الحاكم ، واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار
المقاصد بالقرائن كما تقدمت الإشارة إليه .
( وضبط بعضهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام:
( أحدها ) أن تظهر المطابقة إما يقينًا وإما ظنًّا غالبًا . ( والثاني ) أن يظهر
أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينًا وإما ظنًّا ( والثالث ) أن يظهر في معناه ويقع التردد
في إرادة غيره وعدمها على حد سواء ، فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو
لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره ، وإذا ظهرت إرادته
بخلاف ذلك ، فهل يستمر الحكم على الظاهر ، ولا عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما
ظهر من إرادته ؟
( فاستدل للأول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى
الربا ، ونية المتعاقدين فيها فاسدة لكان فساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد
به البيع من هذا الظن ، كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلًا مسلمًا
بغير حق ، فإن العقد صحيح ، وإن كانت نيته فاسدة جزمًا ، فلم يستلزم تحريم القتل
بطلان البيع ، وإن كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق
الأولى ) .
( واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل ، فيصير بها تارة حرامًا وتارة
حلالًا كما يصير العقد بها تارة صحيحًا وتارة فاسدًا كالذبح مثلًا ، فإن الحيوان يحل
إذا ذبح لأجل الأكل ، ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة ، والرجل يشتري
الجارية لوكيله فتحرم عليه ، ولنفسه فتحل له ، وصورة العقد واحد ، والأول قربة
صحيحة ، والثاني معصية باطلة ، وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر
رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم . وقد نقل النسفي
الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من
أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق . ا هـ .
هذا ما كتبه الحافظ في الفتح في حديث النية ، ونقلناه كله ؛ لما فيه من الفوائد
ويقول: إن فقهاء المذاهب كعلماء القوانين الوضعية يستنبطون الأحكام من عبارات
نصوص المذهب من غير نظر في النيات الباعثة على الأعمال ، ولا في موافقة
حكم التشريع وعلله الدينية ، وما يرضي الله ويثيب عليه ، وما يُسْخِطه ويعاقب
عليه ، ويسمون هذه الأحكام شرعية فيفهم الناس أنها شرع الله الذي خاطبهم به
ويحاسبهم عليه ، فما صححوه منها فهو الحلال الذي يرضيه ، وما أبطلوه فمخالفته
حرام يسخطه ، وليس الأمر كذلك بإطلاقه ، بل الحق ما تقدم أنفًا بالإجمال مجملًا ،
وهنا تحقيق القول فيه مفصلًا مؤصلًا .
التحقيق الفلسفي في المسألة:
التحقيق في هذه المسألة: أن الأحكام الشرعية لها نصوص تبينها وتضبطها ،
وحِكَم هي المقصودة بالتشريع والمراد منه ، وعلماء الحقوق وفلسفة القوانين
يعبرون عن هذا الحكم بروح القانون ، وعن الأول بحرفية القانون أو بالمعنى
الحرفي له ، وهم متفقون على أن القاضي العادل هو من يجمع في أحكامه بين
موافقة نص القانون ومدلوله اللفظي الذي هو هيكله الظاهر ، وبين روحه والمقصود