فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 1226

وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان ، فنظرا إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين ، وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه ، ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة ، ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها ؛ حيث يتفرق المصارفان بموجبها وليس بينهما شيء . ومع هنا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية . والله المستعان .

ومنها: التعامل بشهادات الذهب أو حسابات الذهب ، وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب ، ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها ، وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات .

هذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات ، أو من مخازن متخصصة ، لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك ، وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة .

الذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين: أحدهما: أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق ، حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد ، للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه . الثاني: أن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه ، فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده ، فيطلب من المشتري الانتظار ، والرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء . وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة ، فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى . وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها . والله أعلم .

ومنها: حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه ، هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب ؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها ؟

لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب ؛ وذلك لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع والإلزام والالتزام وغير ذلك من التصرفات المالية . فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها . ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الإنتاج . وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة ، كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب . فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه ، حتى يقال بمراعاة شروط الصرف ، وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها ، والسهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها ، فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج . فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك ، ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه ، ولكنه يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط ، وفي هذه الحركة الإنتاجية والصناعية ، والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك . ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا . ألا ترى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها أو عليها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة ، كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتمليكا حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا .

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 66 / ص 236)

14 -شبهات حول الربا:

يخوض بعض المتأخرين في شبهات حول الربا ، منها أن الاقتصاد العالمي قائم على البنوك والتعامل بالربا . ومنها أن عمل البنوك اليوم يشبه المضاربة ، فالبنك يجني أرباحا من هذه الودائع ، وهو يدفع نسبة من هذه الفوائد عن طواعية ورضا . وإذا وضعنا هذه الأموال في البنوك دون أخذ فائدة - أي الربا - فإننا نعين البنك بذلك ، وإذا أخذناها ، فيمكن أن نساعد منها المحتاجين ، ومعظم هذه الشبهات الدائرة يجمعها قول الكفار منذ ألف وأربعمائة عام ، فيما حكاه عنهم الله تعالى: { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } (1) فوجه المشابهة لمن أراد أن يتلاعب بشرع الله يمكن أن يوجد ، ولكن الله أحل البيع وحرم الربا .

ونقول: إن شيوع الباطل لا يجعله حقا ، وقد بدأت محاولات محدودة للتعامل البنكي ، قائمة على منهج البيع وتحريم الربا ، وهي داخلة تحت ما أطلق عليه البنوك الإسلامية . وهذه البنوك تحارب من بعض علماء المسلمين ، كما تحارب من البنوك الأخرى الربوية بدعاوى مختلفة .

ومن ضمن هذه المغالطات ، أن البنوك الإسلامية تدفع ربحا غير محدد ، بينما تدفع البنوك الأخرى ربحا محددا ، وهذه أضمن لمصلحة الفقير ، كما أنه يمكن اعتبار ما يدفعه البنك من ربا ، بمثابة نسبة ربح قياسا على المضاربة ، خاصة وأن البنك يدفعها عن رضا ورحابة صدر ، وإذا خسر البنك ، فيمكنه أن يلجأ للقضاء ، ويثبت خسارته ، وبالتالي فإنه يصبح غير ملزم بدفع نسبة الربح المنصوص عليها .

وأقول: إن مثل هذه الشبهات هي ترقيع لواقع اقتصادي بعيد عن الإسلام ، ورحم الله الإمام إبراهيم بن أدهم (2) ، وهو القائل:

(1) سورة البقرة الآية 275

(2) إبراهيم بن أدهم: زاهد مشهور، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتفقه ورحل إلى بغداد، ثم إلى الشام والحجاز، وتفقه على كثير من علمائها، وكان يعيش بالحصاد وحفظ البساتين، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم، وجاءه عبد بعشرة آلاف درهم يخبره بموت أبيه، وأنه خلف له أموالا طائلة، فوهبه المال وأعتقه، وكان فصيحا إذا حضر مجلس سفيان الثوري وهو يعظ، أوجز سفيان في كلامه مخافة أن يزل، توفي سنة 161 هـ الأعلام 1 \ 31 البداية والنهاية 10 \ 135 .

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع (1)

وإلا فإن هذا الواقع الربوي ، هو الذي كان موجودا قبل الإسلام ، وهو ربا النسيئة ، وكان يمكن لذلك المرابي أن يقول: إن الذي أخذ المال بالربا ، اشترى به إبلا وأرضا وتاجر فيه ، وليس بمحرم علي أن يعطيني نسبة مما ربحه ، وكثير من الذين يأخذون الربا قديما وحديثا ، إنما يأخذونه للاستثمار ، وقليل منهم الذي يأخذ للحاجة الماسة أو للضرورة .

ولا أدعي أن البنوك الإسلامية تمثل شرع الله الحنيف ، وبعيدة عن النقص في بعض جوانبها ، ولكن يمكن القول: إن التعامل الأساس المعلن لهذا البنك ، هو موافق لشرع الله ، أما أن البنك قد يستعمل هذه الأموال استعمالا فيه شبهة ، فالإثم على من كذب وغير ، أما صاحب المال فقد اتفق على أن يكون التعامل موافقا لشرع الله .

وبالتالي فإن تشويش بعض العلماء على البنوك الإسلامية ، إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت