فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1226

وصياغة . لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب ، وقد يباع بنقد آخر من فضة أو ورق نقدي أو فلوس . فإذا كان الذهب المبيع مشغولا ، كأن يكون حليا ، فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من وزن الذهب الحلي ، وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل . وقد مر بنا رأي ابن القيم في ذلك وذكره تعليل القول بالجواز ، إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد . وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا إذا كان يدا بيد ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: « فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » (1) .

ومنها: المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال . لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية التحريم ؛ وما حرم تملكه حرم بيعه . أما الحلي فإن كان معدا للرجال فهو حرام ، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر ؛ وما حرم تملكه حرم بيعه . قال ابن القيم رحمه الله: ( وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وبغير جنسه ، وبيع هذا هو الذي أنكره علي ومعاوية ؛ فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان ، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي ) (2) .

(1) صحيح مسلم المساقاة (1587) ,مسند أحمد بن حنبل (5/320) .

(2) إعلام الموقعين ج 2 ص 147 .

وأما المتاجرة في الحلي المعد للنساء فلا بأس فيه ، إلا أنه ينبغي مراعاة الحكم الشرعي في بيوعه من حيث الحلول والتقابض . وقد يتفرع من هذه المسألة مسألة ، هي: هل يجوز لتاجر الحلي حينما يعرض عليه أحد الناس حليا قديما ويبدي له رغبته في شرائه حليا جديدا هل يجوز لهذا التاجر أن يشترط عليه في شرائه الحلي القديم أن يشتري منه حليا جديدا ؟ هذه المسألة بحثت في هيئة كبار العلماء في المملكة وصدر القول بمنعها باعتبارها بيعتين في بيعة ، إلا أن هذا القول لم يكن محل إجماع بين أعضاء مجلس الهيئة . ونظرا إلى أن هذا النوع من البيع لم يشتمل على غرر ولا على جهالة ولا على مخالفة في الصرف ، ولم يكن في معنى بيعتين في بيعة ؛ فلم يظهر لي وجه للقول بمنعه . وقد قال بجواز مثل هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله حيث قال: ( الصحيح جواز قوله: بعتك داري بكذا على أن تبيعني عبدك أو نحوه بكذا ، ولا يدخل تحت نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة ؛ لأن المراد أن يعقد على شيء واحد في وقت واحد عقدين ، وذلك كمسائل العينة وما أشبهها ) (1) ا هـ .

وقال رحمه الله في معرض إجابته عن الذي يدخل في النهي عن بيعتين في بيعة: ( ويدخل في ذلك مسائل العينة وضدها . . . - إلى أن قال - وأما تفسيره بأن تقول: بعتك هذا البعير مثلا بمائة على أن تبيعني هذه الشاة بعشرة فالمذهب إدخالها في هذا

(1) الفتاوى الجلية ص 96 .

الحديث ، والقول الآخر في المذهب عدم إدخالها وأن لا يتناولها النهي لا بلفظه ولا بمعناه ، ولا محظور في ذلك ، وهو الذي نراه ونعتقده ) (1) ا هـ .

وأما الساعات الذهبية ، فإن كانت للنساء فلا بأس بتملكها ، واستعمالها ، والمتاجرة فيها بالبيع والشراء ، وأما إن كانت للرجال فحكمها حكم حلي الرجال من حيث تحريم التملك والمتاجرة فيها بيعا أو شراء أو اقتناء . والله أعلم .

وأما ما كان مموها بالذهب أو الفضة أو مشغولا بهما أو بأحدهما ، بحيث تكون كمية الذهب أو الفضة فيها قليلة جدا بالنسبة إلى ما شغلت به ، فهذه المسألة محل اجتهاد ونظر ، وفيها اختلف العلماء بين الإباحة والحظر . فمن نظر إلى الحكمة من التحريم وهي كسر قلوب الفقراء ورأى أن في التمويه بهما أو شغل الأداة بشيء منهما بما يعطي الأداة لون أحدهما ، من نظر إلى هذا قال بالتحريم بصرف النظر عن كامل محتوى الأداة بأحدهما ، أو بجزء منها ؛ لما في ظاهرها من بهجة وزينة وإغراء ينكسر برؤيته قلب الفقير العاجز عن تملكها ، ومن نظر إلى أن غالب محتوى الأداة من غيرهما ، وأن ما فيها من أحدهما لو استخرج لما كان شيئا ، ونظر إلى القاعدة الشرعية: يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا - قال بجواز ذلك . ولكل من الرأيين وجاهته واعتباره ويكون للاختيار منهما التوجه بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث

(1) الفتاوى السعدية ص 298 .

يقول: « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام » . والله أعلم .

ومنها: شراء الفرد الذهب بالشيك أو ببطاقة الائتمان أيعد ذلك قبضا للثمن ؟ اصطلح الفقهاء على تسمية بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مراطلة ، وعلى تسمية بيع الذهب بالفضة أو بأي ثمن آخر أو العكس صرفا ، واشترطوا في المراطلة المماثلة في الوزن والحلول والتقابض في مجلس العقد ، واشترطوا في الصرف المتمثل في بيع أحد المعدنين الذهب والفضة بأحدهما أو بأي ثمن آخر من ورق أو فلوس التقابض في مجلس العقد ، وأصل ذلك حديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره: « الذهب بالذهب والفضة بالفضة » (1) . إلى آخره - واتفق العلماء على أن القبض أمر مرده إلى العرف والعادة ، فأي طريقة يتم فيها الاستيلاء الكامل على العين محل العقد والقدرة التامة على التصرف فيه تعتبر قبضا . وقد بحث العلماء وضع الشيك وهل يعتبر قبضه قبضا لمشموله مبرئا للذمة ؟ فأصدر مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قرارا باعتبار قبض الشيك المعتبر قبضا لمحتواه . وقد وجد الخلاف بين فقهاء العصر في تفسير معنى الشيك المعتبر . فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار في الشيك أن يكون مصدقا من البنك المسحوب عليه ؛ لأن تصديقه

(1) صحيح مسلم المساقاة (1584) ,سنن النسائي البيوع (4565) ,مسند أحمد بن حنبل (3/97) .

يعني حمايته من الساحب أن يعود فيه ، كما يعني وجود رصيد كامل للساحب لتغطية سداد الشيك ، وهذا المعنى يعطي القناعة الكاملة بالقدرة على التصرف في مشمول الشيك في أي وقت يريده المستفيد منه ، وهذا معنى القبض . وذهب آخرون إلى أن المراد بالشيك المعتبر هو أن يكون له رصيد في البنك المسحوب عليه لتغطيته . ولكن هذا المعنى لا يعطي القناعة بالقدرة على تصرف المستفيد منه بمشموله ؛ فلئن كان للساحب رصيد لتغطيته فقد يرجع الساحب في الشيك قبل قبضه ، وهذا الاحتمال الوارد ينفي عن هذا الشيك الثقة في القدرة على التصرف فيه ، وبالتالي فينتفي عن هذا الشيك معنى القبض وهو القدرة على قبض محتواه أو الأمر بقيده في حسابه .

والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الشيك المعتبر والذي هو في معنى القبض هو الشيك المصدق . وتأسيسا على هذا فإذا اشترى الفرد ذهبا أو فضة بثمن آخر وبموجب شيك بذلك الثمن ، فإن كان مصدقا فقبضه قبض لمحتواه والمصارفة بذلك صحيحة .

وإن كان غير مصدق فقبضه ليس قبضا لمشموله ؛ وبالتالي فقبضه ليس في حكم القبض المبرئ للذمة ، والمصارفة بموجبه في رأيي غير صحيحة ؛ لأن التقابض في مجلس العقد غير محقق .

فمثل هذا الشيك آفاته كثيرة ، منها احتمال سحبه على غير رصيد ، أو على رصيد لا يكفي لتغطيته ، أو لاحتمال رجوع ساحبه في سحبه قبل تقديمه للبنك المسحوب عليه ، فهذه العيوب تجعله غير أهل للاعتبار في القول بأن قبضه قبض لمحتواه . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت