فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 1226

فقول ابن حجر رحمه الله: ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث ، يدل على أنه يرى كغيره من حفاظ الحديث ، أن الثقة إذا شذ عن الجماعة برواية خالفهم فيها وترتب على هذه الرواية وهم غير يسير ، لزم من ذلك القدح في صحة الرواية ، وإن كان الثقة مالكا أو من يدانيه ، فضلا عمن هو دونه .

كما أنه قد يورد مورد اعتراضا على القائلين بمطلق الثمنية ، بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه ، في الذهب والفضة ، سواء أكانا سبائك أو كانا مسكوكين ، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه لكونه ثمنا ، وإنما الإشكال في جريان الربا بنوعيه في سبائكهما ، مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا ، إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما ، وشاملة لسبائكهما ومسكوكهما ، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا . وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن ، ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس ، قال: « جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

يمشي ، فساومنا سراويل فبعناه ، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: زن وأرجح » (1) . ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: « يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا » (2) . وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا ، فجاء في مجموع الفتاوى (3) : ( إن الناس في زمن رسول الله ! كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا ) ا هـ .

ويمكن أن يجاب أيضا بما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه ( إعلام الموقعين ) في معرض توجيهه جريان الربا في الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت وغيره فقال (4) : ( وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها ، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها ، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات . وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين ، لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها ، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها ، ولهذا قال: تبرها وعينها سواء ) . ا هـ .

ولابن القيم رحمه الله توجيه رائع للتعليل بالثمنية يحسن بنا ونحن نرى أن التعليل بالثمنية أصوب الأقوال وأصحها - أن نذكره كختام لمبحثنا هذا . قال رحمه الله في كتابه ( إعلام

(1) سنن الترمذي البيوع (1305) ,سنن النسائي البيوع (4592) ,سنن أبو داود البيوع (3336) ,سنن ابن ماجه التجارات (2220) ,مسند أحمد بن حنبل (4/352) ,سنن الدارمي البيوع (2585) .

(2) صحيح البخاري الوكالة (2185) ,صحيح مسلم المساقاة (715) ,سنن الترمذي النكاح (1100) ,سنن النسائي البيوع (4639) ,سنن أبو داود النكاح (2048) ,سنن ابن ماجه النكاح (1860) ,مسند أحمد بن حنبل (3/314) ,سنن الدارمي النكاح (2216) .

(3) ج 19 ص 248 مجموع الفتاوى .

(4) ج2 من الإعلام ص 140 .

الموقعين ) ما نصه (1) : ( وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين ، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ، ومذهب أبي حنيفة . وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية . وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى . وهذا هو الصحيح بل الصواب .

فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما ، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا . فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ . والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها . وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة ، فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية .

فإن الدراهم والدنانير أثمان مبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا ، لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع ، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ، ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هو بغيره . إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس - إلى أن قال - فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير ، مثل أن يعطي صحاحا

(1) ج2 من الإعلام ص 137 .

ويأخذ مكسرة ، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها ، لصارت متجرا وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد . فالأثمان لا تقصد لأعيانها ، بل يقصد التوصل بها إلى السلعة . فإذا صارت في نفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس ، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات ) . ا هـ .

ونظرا لوجود النص الثابت الصريح في جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة ، وذلك فيما روى الإمام أحمد ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » وحيث إنه لا اجتهاد مع نص فإن الربا بنوعيه يجري فيهما في مسكوكهما وسبائكهما وتبرهما إلا ما أخرجته الصنعة منهما فقد اتجه بعض المحققين من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما إلى جواز التفاضل في بيع الذهب بجنسه والفضة بجنسها إذا كان أحد العوضين مما أخرجته الصنعة كالحلي مع بقاء الحكم بوجوب التقابض في مجلس العقد رعاية للنص الخالي عما يصرفه عن الحكم العام في جريان ربا النسيئة فيهما . وقد تقدم النقل عن ابن القيم رحمه الله في تعليل ذلك وأن للصنعة فيهما قيمة تقابل زيادة الثمن وزنا على وزن الحلية المبيعة من ذهب أو فضة .

مما تقدم يتضح أن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما ، وأن النص صريح في اعتبارهما مالا ربويا يجب في المبادلة بينهما التماثل والتقابض في مجلس العقد فيما اتحد جنسه ، والتقابض في مجلس العقد في بيع بعضهما ببعض إلا ما أخرجته الصناعة عن معنى الثمنية فيجوز التفاضل بين الجنس منهما دون النسأ على ما سبق من توضيح وتعليل .

وتأسيسا على ما تقدم في البحث من خصائص الذهب وكونه أكثر الأثمان إيغالا في الثمنية ، وما جاء فيه من نص صريح يقضي باعتباره مالا ربويا يلزم في المبادلة بين الجنس منهما المماثلة والتقابض في مجلس العقد ، وفي المبادلة بين الجنسين التقابض في مجلس العقد ، وتأسيسا على ما تقدم لنا من اعتبار الثمنية علة وقوع الربا في الذهب يمكننا الحكم على المسائل التي عرضها مجمع الفقه الإسلامي بجدة .

ومنها: حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموما إليه جنس آخر . الحكم في ذلك فيما يظهر لي الجوازة لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا ؛ حيث إن الزيادة في الثمن وزنا هي قيمة الصنعة في الحلي ؛ وقد مر بنا النقل عن ابن القيم رحمه الله في ذكر هذا الحكم وتعليله (1) .

ومنها: بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا: أي فيه صنعة

(1) إعلام الموقعين ج 2 ص 140 - 141 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت