فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 1226

ومما أجيب به عن هذا الحديث أن فيه اضطرابا واختلافا ، يوجب ترك الاحتجاج به ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه ( تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ) ما نصه (1) : ( وله عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا ، في بعضها: قلادة فيها خرز وذهب ، وفي بعضها: ذهب وجوهر ، وفي بعضها: خرز وذهب ، وفي بعضها: خرز معلقة بذهب ، وفي بعضها: باثني عشر دينارا ، وفي أخرى: تسعة دنانير ، وفي أخرى: بسبعة دنانير ، وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة ) . ا هـ .

وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا ، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه ، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل . وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب . ا هـ .

قلت: قد رأيت لبعض المتأخرين من محدثي الهند تعقيبا على ابن حجر رحمه الله في جوابه هذا ، فقد ذكر المفتي عبد اللطيف الرحماني في شرحه جامع الترمذي الجزء الثاني ص ( 709 ) ما نصه (2) : ( وأما ما أجاب الحافظ عنه بأن المقصود

(1) ج 3 من تلخيص الحبير ص 9 .

من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه ، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل ، ففيه أيضا أنه غير محفوظ بما روى البيهقي في السنن عن فضالة بن عبيد ، قال: « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية من الذهب بالدينارين والثلاثة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن » (1) ففي هذا الحديث ليس للقلادة ذكر ، وليس فيه النهي عن بيع ما لم يفصل ، بل فيه النهي عن بيع الذهب بالدينار إلا مماثلا . وأما ما قال الحافظ من أنه ينبغي الترجيح بين رواتها ، وإن كان الجميع ثقات ، فنحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم . ففيه إنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح . وأيضا لا يجوز تغليط ثقة لأن عليه الاعتماد .

فعلى هذا لا حجة في هذا الحديث لاضطرابه ، وكيف وفيه حرج عظيم ومشقة على الأمة ، إذا حكم بفصل الذهب والفضة عن الأشياء التي تحلى بالذهب والفضة ، لأن بعض الأشياء بعد نزوع الذهب والفضة منها ينقص قيمتها كثيرا ، بل بعضها لا يكون لها قيمة . فكيف يحكم بهذا الشارع ، ويحكم بإبطال الصنع وهو حكيم ؟ ) ا هـ .

أقول: في اعتراضه رحمه الله بقوله: ففيه إنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح ؟ في قوله هذا نظر ملخصه: هل تحقق أن رواة هذه الروايات المختلفة كلهم سواء في الحفظ والضبط ؟ كما أن قوله: لا يجوز تغليط ثقة لأن عليه الاعتماد ، ليس على إطلاقه ؛ بل إذا روى الثقة حديثا يخالف ما

(1) صحيح مسلم المساقاة (1591) ,سنن أبو داود البيوع (3353) ,مسند أحمد بن حنبل (6/19) .

روى الناس اعتبرت روايته هذه شاذة ، ويتعين التوقف فيها ، وعدم الاحتجاج بها . قال ابن كثير رحمه الله في كتابه ( الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث ) في معرض تعريفه الشاذ ما نصه (1) : ( قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس ، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره . وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضا ، قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ به ثقة أو غير ثقة ، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به ، ويرد ما شذ به غير الثقة - إلى أن قال - فإذن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ . يعني المردود ) . ا هـ .

ومن المسائل التطبيقية لهذه المسألة ما ذكره ابن حجر رحمه الله في كتابه ( هدي الساري مقدمة فتح الباري ) من قوله (2) :

( قال الدارقطني أخرجا جميعا حديث مالك عن الزهري عن أنس قال:( كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة ) . وهذا مما ينتقد به على مالك لأنه رفعه ، وقال فيه إلى قباء . وخالفه عدد كثير ، منهم شعيب بن أبي حمزة ، وصالح بن كيسان ، وعمرو بن الحارث ، ويونس بن

(1) انظر ص61 من الكتاب نفسه .

(2) الجزء الثاني من هدي الساري ص111 .

يزيد ، ومعمر ، والليث بن سعد ، وابن أبي ذئب ، وآخرون . انتهى .

وقد تعقبه النسائي أيضا على مالك ، وموضع التعقب منه قوله: إلى قباء ، والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي . ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة ) . ا هـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت