فلم يبق إلا أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها البتة ، بل بيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة ، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك ، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب ، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر ، والحيل باطلة في الشرع ، وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر ، لشهوة الرطب . وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه ؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع ، فلو لم يجز بيعه
(1) ج2 من الإعلام ص 140 - 141 .
بالدراهم فسدت مصالح الناس ، والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع . وغاياتها أن تكون عامة أو مطلقة ، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي ، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة ، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية ، ولا سيما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير ، كقوله: « الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير » ، وفي الزكاة قوله: « في الرقة ربع العشر » (1) والرقة هي الورق ، وهي الدراهم المضروبة ، وتارة بلفظ الذهب والفضة ، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين ، وإيجابا للزكاة فيهما ، ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما ؛ بل فيه تفصيل . فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها ، وفي هذا توفية الأدلة حقها ، وليس فيه مخالفة شيء لدليل منها .
يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع ، لا من جنس الأثمان ، ولهذا لم تجب فيها الزكاة ، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان ، كما لا يجري بين الأثمان وسائر السلع ، وإن كانت من غير جنسها ، فإن هذه الصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة ، فلا محظور في بيعها بجنسها ، ولا يدخلها ( إما أن تقضي وإما أن تربي ) . كما لا يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل . ولا ريب أن هذا قد يقع فيها ، لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين ، وتضرروا بذلك غاية الضرر . يوضحه أن
(1) صحيح البخاري الزكاة (1386) ,سنن النسائي الزكاة (2455) ,سنن أبو داود الزكاة (1567) ,سنن ابن ماجه الزكاة (1800) ,مسند أحمد بن حنبل (1/12) .
الناس على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذون الحلية ، وكان النساء يلبسنها ، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها . ومن المعلوم بالضرورة أنهم كانوا يعطونها للمحاويج ، ويعلم أنهم يبيعونها . ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه . ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارا ، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه ، وأعلم بمقاصد رسوله أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس . يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه ، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف . يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه ، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ، كما أبيح العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر ، وكما أبيح النظر للخاطب ، والشاهد والطبيب ، والمعامل من جملة النظر المحرم ، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال ، حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله ، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة ، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلي المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها ، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ) إلى آخر ما ذكره رحمه الله .
وقد يرد على ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله من أن الحلية المصنوعة لا يجري فيها الربا ، ما رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي عن فضالة بن عبيد قال: « اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا ، فيها ذهب وخرز . ففصلتها فوجدت أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا يباع حتى يفصل » (1) وفي لفظ لأبي داود « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة أو سبعة دنانير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ، حتى تميز بينه وبينه . فقال: إنما أردت الحجارة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ، حتى تميز بينهما ، قال: فرده حتى ميز بينهما » (2) .
ووجه الإيراد أن القلادة حلية فيها ذهب وقد اشتريت بذهب ، ومع هذا فقد اعترض صلى الله عليه وسلم على صحة هذا البيع وأمر برده حتى يفصل . وقد يكون من الجواب عليه أن ذهب القلادة كان أكثر من ثمنها ، حيث ذكر فضالة أنه فصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا . وأكثر ما روي في ثمنها أنه اثني عشر دينارا . وقد روي أنه اشتراها بسبعة دنانير أو تسعة . فإذا كان ما فيها من الذهب أكثر من ثمنها ذهبا ، لم يكن للصياغة فيها مقابل ، وآل الأمر فيها إلى بيع ذهب بذهب متفاضلا ، لم يكن لزيادة بعضه على بعض مقابل .
وابن القيم رحمه الله يشترط أن يكون ثمن الحلية أكثر منها وزنا ، ليكون الزائد على ثمنها من الثمن في مقابلة الصياغة . وقد مر بنا قوله: ( وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها ) . وقال رحمه الله بعد هذا في معرض الدفاع عن هذا الرأي (3) : ( فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة ) . ا هـ .
(1) صحيح مسلم المساقاة (1591) ,سنن النسائي البيوع (4573) ,سنن أبو داود البيوع (3351) ,مسند أحمد بن حنبل (6/21) .
(2) صحيح مسلم المساقاة (1591) ,سنن النسائي البيوع (4573) ,سنن أبو داود البيوع (3351) ,مسند أحمد بن حنبل (6/19) .
(3) ج2 من الإعلام ص 142 .
وأجاب بنحو هذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن جواز بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع القطع بأن بينهما تفاوتا في الوزن فقال رحمه الله في مجموع فتاواه ما نصه (1) :
( وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي ؛ بل يخرص خرصا ، مثل القلادة التي بيعت يوم حنين(2) ، وفيها خرز معلق بذهب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تباع حتى تفصل » (3) فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل ؛ لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون ، فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله (4) ، وزيادة خرز ، وهذا لا يجوز .
وإذا علم المأخذ ، فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها ، وكان المفرد أكثر من المخلوط ، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط ، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء ، إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها ، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك ، فيجوز التفاوت ) . ا هـ .
(1) ج 29 من مجموع الفتاوى ص 453 .
(2) هكذا في المطبوع والصواب: ( خيبر ) .
(3) صحيح مسلم كتاب المساقاة (1591) ,سنن الترمذي كتاب البيوع (1255) ,سنن النسائي كتاب البيوع (4573) ,سنن أبو داود كتاب البيوع (3352) ,مسند أحمد بن حنبل (6/21) .
(4) هكذا في المطبوع ولعل الصواب: قد باع ذهبا بذهب مثله وزيادة وخرز . والله أعلم .