كل من أكل الربا أو تعامل به فقد أتى بابا من أعظم أنواع الكبائر، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (( درهم من ربا يأكله الرجل أشد من ست وثلاثين زنية ) ) (3) [3] .
من أكل الربا أو تعامل به فقد حكم على ماله بالمحق والهلاك والدمار ونزع البركة ولا يغرنه الاستدراج والإمهال إذا كثرت أمواله الربوية: يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة:276] .
فإنه يعاتب بألا يستجاب دعاؤه وألا تستجاب استغاثته، فإن الإنسان ضعيف تعرض له كوارث ونكبات فيحتاج إلى ربه، ولا يجد في كثير من الأحيان بل كل الأحيان، لا يجد إلا الدعاء، فإذا حرم من الاستجابة فهذا من أشد العقوبات. قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رب رجل أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ) ) (4) [4] ، أي لا يستجاب له أبدا. فاحذر أكل الحرام وأعظم الحرام هو الربا. وقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا سعد أطب مكسبك تجب دعوتك ) ) (5) [5] .
ومن أعظم المصائب التي تحل على المجتمع بشؤم أهل الربا والمتعاملين بها أن يحل بهم العذاب فيؤخذون بالسنين - أي بحبس المطر والغيث - فلولا دعاء المساكين ورجاء الفقراء والمساكين وبكاء الأطفال الذين لا يعقلوا ورغاء البهائم ما نزل المطر، ولكن الله رحيم وببركة هؤلاء ينزل المطر.
فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنين، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب ) ) (6) [6] .
أما بعد: فإن أفضل الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
(1) مسلم كتاب المسافاة (1598) .
(2) حلية الأولياء (1/31) .
(3) أحمد (5/225) ، صححه الألباني اسناده في المشكاة (2/859) .
(4) مسلم كتاب الزكاة (1015) .
(5) عزاه الهيثمي في المجمع للطبراني في الصغير ، وقال: (وفيه من لم أعرفهم) (10/294) .
(6) أحمد (4/205) .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 348)
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقال الله تبارك وتعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين [يوسف:56] .
التمكين من المكنة والمكانة، ومعناه القدرة والسلطان والرفعة. وقوله مكنا ليوسف أي أعطيناه القدرة والسلطان والمكانة الرفيعة بين الناس. وهذا التمكين مطلق بخلاف التمكين الذي ذكر في الآية قبل ذلك: وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض [يوسف:21] . فالمقصود بالأرض في هذه الآية بيت العزيز وأملاكه، فذاك تمكين محدود، انتهى لم يستمر، انتهى بسجن يوسف، ولكنه كان منزل في الطريق إلى هذا التمكين النهائي.
فإن يوسف عليه السلام كان من المحسنين، أحسن في نفسه، وأحسن مع ربه، وأحسن في اتباع المنهج المنزل. ومن سنن الله الكونية التي لا تبدل أن من أحسن في اتباع الوسائل والأسباب أنه يحصل النتيجة، فإن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجره، فإن من أخذ بأسباب القوة والظفر حصل على ذلك مؤمنا كان أو كافرا، هذه من مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى: نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ، هذا الإحسان معنى شامل يشمل الإحسان في اتخاذ الأسباب والوسائل.
فما بالك بالمؤمن إذا أحسن وكان إحسانه متكاملا، فهو مع معرفته بالله عز وجل وتوحيده له، عمل واجتهد وصبر وتجلد وأحسن في اتباع المنهج فإن هذا يحصل النتيجة وتدركه الرحمة الخاصة بالمؤمنين دون غيرهم.
أما المؤمن إذا استعجل دون أن يعمل وأخطأ المنهج المنزل فلم يشفع له صلاحه ولا صدق نيته فإن النتائج لم تعلق على الإيمان فقط ولكن على الإيمان والعمل - التمكين لم يربط بمجرد الإيمان ولكن بإحسان العمل مع الإيمان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] . مع أن القرآن قد يطلق الإيمان في بعض الأحيان ويقصد بهذا أي الإيمان مع الإحسان في العمل.
ولما كان إحسان العمل شرطا في التمكين فإن الدوام على ذلك أيضا شرط في التمكين، الالتزام بشرع الله شرط الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:41] . تأمل هذه الخاتمة العجيبة، خاتمة الآية، إنها تطمئن المؤمنين العاملين بشرع الله ألا يخافوا أحدا من الخلق فإن الله هو مولاهم وناصرهم وسيجعل العاقبة له، فالملك كله له، فإن الذي يصرف الملك هو مولاهم يحميهم وينصرهم.
وفي هذه الخاتمة أيضا تهديد للمسلمين إذا ما تخاذلوا عن شرع الله وانحرفوا عن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي انحرفوا عن المنهج المنزل، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينزع الملك ويسلط على المتخاذل عدوه ويجعل العاقبة لغيره وقال ذلك سبحانه وتعالى صراحة وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم [محمد:38] . إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا [التوبة:39] .
الخطبة الثانية
أما بعد:
حقيقتان هامتان يجب أن نعرفهما حتى نفقه ونفهم لماذا حرم الله الربا وأحل البيع بدلا منه:
أن المال في الحقيقة هو ملك الله تعالى والإنسان مستخلف فيه، ليس هذا المال ملكك أيها الإنسان، فعليه أن ينفذ فيه أوامر المالك الحقيقي سبحانه وتعالى: آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه [الحديد:7] .
أن المالك الحقيقي والشارع الحكيم أراد أن يكون هذا المال سببا في عمارة الأرض، لقضاء مصالح المجتمع وسد حاجات الناس ولذلك أمر بأن يحرك في السوق، بأن يوجه في السوق، ويحرك بأنواع الاستثمارات التي فيها رخاء المجتمع ونماؤه. فصاحب المال إذا أنشأ بماله بقالة أو محطة بنزين أو مستشفى أو صيدلية أو مخبزا أو غير ذلك من المشاريع النافعة، فإنه يكون قد حقق بذلك لنفسه الربح بالبيع الحلال، هذا هو هدف الشارع الحكيم وهو تحريك المال حتى يرجع النفع على الطرفين صاحب المال والمجتمع.
أما الفوائد الربوية فهي تحقق أكبر عائق أمام استثمار هذه الأموال، فهي تجمد الأموال وتدور هذه الأموال في دائرة مغلقة تصب في مصلحة صاحب المال فقط، فهذه المؤسسات الربوية هي رمز لاستبداد صاحب المال وأنانيته.
أرأيتم لو أن كل من عنده مال استمرأ هذه الفائدة الربوية السهلة المضمونة وأودع أمواله في البنوك وتجمدت فماذا استفاد المجتمع منها.