فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1226

عباد الله، قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275] . وتواترت السنة الشريفة في المسألة، وبلغت حدا لا يسع أيّ مسلم ولو كان قرويّا أن يدّعي الجهل به، جاء من غير طريق أن رسول الله لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، صح عنه: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )، قيل: يا رسول اللّه، وما هن؟ قال: (( الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا ) )الحديث، وأخرج البزار من طريق أبي هريرة مرفوعا: (( الكبائر سبع، أولهن الشرك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا ) )، وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة: لعن رسول الله الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله، وأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا: (( أربعة حق على اللّه أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه ) )، وأخرج البزار بإسناد صحيح مرفوعا: (( الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك ) )، وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن سلام مرفوعا: (( الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام ) )، وعن عبد الله موقوفا: (الربا اثنان وسبعون حوبا، أصغرها حوبا كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية) ، قال: (ويأذن اللّه بالقيام للبرّ والفاجر يوم القيامة إلا آكل الربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ، وأخرج أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح من طريق عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة مرفوعا: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية ) ).

أبعد هذه النصوص يأتي متأوّل أو متساهل ويقول: إن الربا في الشركة الفلانية يسير لا يضر؟! وما أسكر كثيره فقليله حرام.

فالحذر الحذر ـ عباد الله ـ من الربا قليلا كان أو كثيرًا، واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك.

الربا: صوره، أقسام الناس فيه

مجلة البيان - (ج 2 / ص 28)

الربا .. صوره - أقسام الناس فيه

بقلم فضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليمًا ، وبعد..

فإن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس وأودع فيهم العقول والإدراك وبعث فيهم الرسل وبث فيهم النذر ليقوموا بعبادته والتذلل له بالطاعة مقدمين أمره وأمر رسله على ما تهواه أنفسهم ، فإن ذلك هو حقيقة العبادة ومقتضى الإيمان ، كما قال الله تعالى: (( ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا ) ) [الأحزاب: 36] .

فلا خيار للمؤمن -إن كان مؤمنًا حقًا - في أمر قضاه الله ورسوله ، وليس أمامه إلا الرضا به ، والتسليم التام سواء وافق هواه أم خالفه ، وإلا فليس بمؤمن ، كما قالي الله تعالى: (( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) [النساء:65] .

وقد أخبر الله تعالى أن العدول عن حكمه وعن اتباع رسوله أنه أضل الضلال فقال تعالى: (( فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [القصص:50] .

إذا تبين هذا فاعلم أن أوامر الله تعالى تنقسم إلى قسمين: قسم فيما يختص بمعاملته سبحانه ؛ كالطهارة والصلاة والصيام والحج ، وهذه لا يستريب أحد في التعبد لله تعالى بها . وقسم فيما يختص بمعاملة الخلق وهي المعاملات الجارية بينهم من بيع وشراء وإجارة ورهن وهبة ووصية ووقف وغيرها ، وكما أن تنفيذ أوامر الله تعالى والتزام شريعته في القسم الثاني أمر واجب ، إذ الكل من حكم الله تعالى على عباده ، فعلى المؤمن تنفيذ حكم الله والتزام شريعته في هذا وذاك .

ولقد شرع الله تعالى لعباده في معاملاتهم نظمًا كاملة مبنية على العدل لا تساويها أي نظم أخرى ، بل كلما ابتعدت النظم أو ابتعد الناس عن العمل بنظم الشريعة كان ذلك أكثر الظلم ، وأوغل في الشر والفساد والفوضى .

وإن من الظلم في المعاملات واجتناب العدل والاستقامة فيها أن تكون مشتملة على الربا الذي حذر الله تعالى منه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأجمع المسلمون على تحريمه .

قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ * وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأَن تصدقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ) [البقرة:278-281] .

وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * واتَّقُوا النَّارَ الَتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وأَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ) [آل عمران: 130-132] .

وقال تعالى: (( الَذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ ومَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ويُرْبِي الصَّدَقَاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) [البقرة: 275-276] ، يعنى لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المُخَبَّل المجنون الذي يصرعه الشيطان . هكذا قال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره . وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال: هم سواء . واللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت