فهرس الكتاب

الصفحة 967 من 1226

2ـ ما كانت وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة، مثل: عقد البيع بقصد الحصول على الربا ، وعقد النكاح بقصد التحليل، فهذا أيضًا ممنوع في الشريعة لأن للوسائل أحكام المقاصد .

3ـ ما كانت وسيلة موضوعة للمباح ، ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا ، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل: سب آلهة المشركين بين ظهرانيهم ، فهذا أيضًا منعته الشريعة لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وقد استدل ابن القيم على المنع في هذين القسمين بتسعةٍ وتسعين دليلًا .

4ـ ما كانت وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها، ككلمة الحق عند سلطان جائر ونحو ذلك ، فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم ، أو استحبابه ، أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة (12) .

فإذا أردنا أن نوازن بين المصلحة المرجوّة من هذه القنوات الفضائية الإسلامية والمفسدة المتوقعة من وراء ذلك نقول: إن فيها من المصالح التي هي مطلوبة شرعًا ،كتعليم العقيدة الصحيحة ، ونشر العلم والفقه ، وطرح الحلول الشرعية لمشاكل الناس المعاصرة، وتوجيه الرأي العام المسلم إلى المواقف الصحيحة من المستجدات العالمية، وتكوين الشعور المسلم الممثل بالجسد الواحد وإشغال أوقات الناس على أقل الأحوال بالمباحات عن المحرمات .. وفيها من المفاسد ما يتوقع حدوثه من نظر النساء إلى الرجال بشهوة ، أو انشغال الناس بمشاهدة هذه القنوات عن بعض الأمور المهمة في حياتهم .

وبعد هذه الموازنة يظهر أن المصالح المرجوّة من مثل هذه القنوات أعظم من المفاسد المتوقعة لندرتها ، وعدم إمكانية الجزم بوقوعها ، فهي داخلة تحت القسم الرابع من أقسام الوسائل التي عدّها ابن القيم رحمه الله ، فالاشتراك فيها مباح لمن رغب في ذلك ، وقد يكون مستحبًا أو واجبًا إذا كان فيه صرف للناس عن مشاهدة غيرها مما يشتمل على المحرمات ، كالغناء والموسيقى ، أو صور النساء ، أو ما هو أعظم ضررًا كنشر البدع ، والطعن في الدين ونحوه . ولا يعني الحكم بإباحة الاشتراك في هذه القنوات أن يشترك كل مسلم فيها بل هي كأحد أنواع الفواكه مباح ولا يلزم من إباحته أن يأكله كل أحد ،

تنبيه:

إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتقليل المفاسد وتعطيلها. وهنا لابد من توجيه نداء إلى القائمين على هذه القنوات الإسلامية بسدّ باب الذريعة إلى الفساد ، وذلك بعدم استضافة من يرون فيه فتنة للنساء، والاستغناء عنه بغيره من العلماء وطلبة العلم ، فإن ذلك من السياسة الشرعية المفضية إلى إصلاح المسلمين . وعلى طلبة العلم ممن يعلم أن النظر إليه قد يورث تشبب النساء به ألاّ يخرج عليهن ، والحمد لله أن القنوات الفضائية ليست السبيل الوحيد للدعوة وتبليغ الناس الخير ، فيتخير من وسائل الدعوة ما يكون أقرب إلى تحقيق المراد من الدعوة بلا مفسدة ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يمشي بالمدينة فسمع امرأة تتغنى بشاب من أهل المدينة اسمه: نصر بن حجاج دعى به فوجده شابًا حسنًا ، فحلق رأسه فازداد جمالًا ، فنفاه إلى البصرة، لئلا تفتتن به النساء، مع أنه لا ذنب له في ذلك، وما كان هذا إلاّ سدًّا لباب

الذريعة، وحسمًا لمادته (13) والله أعلم .

وفي الختام ..

هذا ما تيسر جمعه وتحبيره راجيًا من الله التوفيق والصواب ، ثم أرجو من العلماء وطلبة العلم تصويب الخطأ ، والعفو عن الزلل ، فإنما الخير أردت..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

1-سورة النور ، آية 31.

2 -أخرجه أبو داود برقم (4112) ، والترمذي برقم (2878) ، وأحمد (6/296) .

3 -أخرجه مسلم برقم (1480) .

4-أخرجه البخاري برقم (454) ، ومسلم برقم (892) .

5-تفسير السعدي (ص566) .

6-إرواء الغليل (6/211) .

7-حاشية شرح السنة للبغوي (4/24) .

8-انظر فتح الباري (9/248) .

9 -رواه البخاري برقم (1513) .

10 -رواه البخاري

11-فتح الباري (9/248) .

12-إعلام الموقعين (3/136) .

13-ينظر:مجموع الفتاوى (28/370،371) ، السياسة الشرعية (1/119) ، الطرق الحكمية (1/22)

سلمان بن فهد العودة 30/3/1424

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لهذا الموضوع قصة وذلك أن بعض الإخوة في ولاية كاليفورنيا من الولايات المتحدة الأمريكية في مسجد النور طلبوا مني مشاركة معهم في مؤتمر أقاموه وكانوا يقترحون أن يكون العنوان ( المراجعات المنهجية في الواقع الإسلامي المعاصر ) فألقيت لهم محاضرة عبر الهاتف ثم طلب مني إخوة آخرون في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور في ماليزيا محاضرة أيضًا في موضوع ( التجديد في الشريعة الإسلامية ) وحدثت هؤلاء وأولئك فتبين لي أن الحديث بين هذين الموضوعين فيه شيء من الاشتراك لا بد من كشفه وبيانه وبناء على ذلك جمعت شتاته في هذا المقال .

والعمل الإسلامي في هذا العصر سواءً كان عمل جماعات أو أفرادٍ أو مؤسسات أو غير ذلك يمر بمتغيرات ومراجعات منذ فترة ليست باليسيرة ، لكن وتيرة هذه المراجعات وزخمها يتزايد يومًا بعد يوم خصوصًا في ظل العولمة التي تحاول أن تجمع العالم كله تحت سلطة أممية واحدة سياسةً واقتصادًا وإعلامًا وثقافة ثم ثانيًا بسبب أحداث 11 سبتمبر وما ترتب عليها من الإجراءات العسكرية والسياسية والأمنية وغيرها ، فبذلك مر العالم كله بتحولات سياسية وفكرية عميقة ، وتبعًا فإن الواقع الإسلامي هو جزء من الواقع العام يتأثر به سلبًا وإيجابًا .

لقد كان بعض الإسلاميين منذفترة طويلة يحاربون ويعترضون على ما يسمى بالمشاركة السياسية أو الدخول في البرلمانات ، أو محاولة التأثير من الداخل كما يقال ، ثم بدا لهم أن هذا باب لا بد من ولوجه فأصبح الذين كانوا بالأمس يجوبون القطر محذرين من هذه المشاركة ومبينين أن فيها خطرًا وأن فيها لبسًا ومتخوفين من هذه التجربة صاروا يفعلون الشيء ذاته داعين إلى ترشيح فلانٍ أو فلان أو هذه القائمة أو تلك الجمعية اقتناعًا منهم بأن هذا لا بد من فعله ولابد من مزاحمة الشر بالخير ، كذلك حمل بعض الإسلاميين السلاح لمواجهة بعض الأنظمة الحاكمة في عدد من البلاد الإسلامية ربما كان أقدم هذه التجارب هي التجربة التي جرت في سوريا ، وكان من جرائها النتائج الكبيرة المعروفة ونزيف الدماء الهائل وضياع الأموال وانسداد أبواب كانت مشرعة للدعوة في وقت من الأوقات، وتلا ذلك أحداث مشابهة في أكثر من قطر إسلامي كمصر وبعد فترة طويلة من هذه التجربة ترتب على ذلك الإعلان الكبير عن أن هذه التجربة مرت بظروف صعبة واكتنفتها أخطاء عديدة وأنه لا بد من تصحيح المسار وتدارك العثار وضبط المصطلح والشعار لدى هؤلاء الأخيار .

كان ثمت آخرون من الدعاة يحملون على البث الفضائي ويحذرون منه ويتحدثون عن مخاطره وبعد ذلك وجدوا أنفسهم مضطرين ـ بعد ما أصبح هذا البث واقعًا لا سبيل إلى تجاهله ـ أن يقتحموه بدعوتهم وأن يزاحموا فيه الشر بالخير وأن يعتمدوه كوسيلة جديدة من وسائل الدعوة كما يعتمدون الإنترنت أو الكتاب أو الشريط أو الجريدة أو المجلة أو غيرها والوسائل لها حكم الغايات ، هذه مجرد نماذج وغيرها كثير تشير إلى أن هناك مايحتاج إلى تجلية وإيضاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت