فهرس الكتاب

الصفحة 966 من 1226

ومن هنا عنّ لي أن أبحث ما ورد في شرعنا المطهر فيما يتعلق بالإجابة على هذه الأسئلة ، متوخيًا الصواب قدر الإمكان، فلا أتكلّف منع شيء لم يمنعه الشرع ، ولا آذن في شيء قد منعه ، راجيًا الصواب والتوفيق والسداد من ربي . وقد بذلت جهدي في تسهيل عبارته ليفهمه العامة والخاصة فإن كان ما كتبته حقًا وصوابًا فهو من الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان.

فأقول مستعينًا بالله:

المسألة الأولى: حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي .

لعل من المناسب قبل الخوض في هذه المسألة أن يحرر موضع السؤال، فإن نظر المرأة للرجل الأجنبي لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يكون نظر المرأة إلى ما بين السرة والركبة من الرجل ، بمعنى أن المرأة تنظر إلى عورة الرجل ، فهذا مما جاءت الشريعة بحسم مادة وبيان حكمه، فهذا النظر حرام بالاتفاق سواءً كان هذا النظر بشهوة أو بغير شهوة.

الحال الثاني: أن يكون نظر المرأة إلى ما فوق السرة وتحت الركبة من الرجل، وهذا النظر إما أن يكون بشهوة أو بغير شهوة. فإن كان هذا النظر بشهوة فهو حرام أيضًا قولًا واحدًا ، وإن كان بلا شهوة فهو موطن السؤال وللجواب عليه يقال: إن من يجمع النصوص المتعلقة بنظر المرأة إلى الرجل من الكتاب والسنة يجدها متقابلة متعارضة فيما يظهر ، ولهذا صار محصلة آراء العلماء قولين متقابلين .

القول الأول: أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي محرم مطلقًا سواءً كان النظر إليها بشهوة أو بغير شهوة .

واستدلوا على ذلك بدليلين:

الأول:قوله تعالى: ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) (1) فالأمر بغض البصر هنا عام في كل نظر سواءً كان بشهوة أو بغير شهوة .

الثاني: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم. وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"احتجبا منه"، فقلنا يا رسول الله ! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه!" (2) .

القول الثاني: إن نظر المرأة للرجل جائز إذا كان بلا شهوة واستدلوا على ذلك بأدلة أشهرها ما يلي:

1ـ حديث فاطمة بنت قيس في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالعدة في بيت ابن أم مكتوم بقوله: (اعتدّي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك…) (3) .

وهذا أمر صريح لها بالسكنى عند ابن أم مكتوم، فلو كان النظر إلى الرجل حرامًا لأمرها بغض بصرها عنه عقب أمره لها بالسكنى عنده ، وهذه الحادثة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة بدليل سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها واستشارتها له في نكاح رجال خطبوها منهم معاوية بن أبي سفيان ، ومعاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح .

2ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت:"لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم" (4) .

وهذا الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة فيه دليل على أن النظر إلى الرجال بلا شهوة غير محرم .

مناقشة القائلين بالتحريم والمنع:

ويمكن مناقشة أدلة القائلين بالمنع بأن قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) عام والأحاديث التي تبيح النظر إلى الرجال خاصة ، والعام إذا خص فلا يعمل به وإنما يعمل بالدليل المخصص فلا حجة في ذلك ، ويبقى عمل الآية فيما بقي على عمومه مما أمر النساء بكف البصر عنه . وقد قال ابن سعدي في معناها: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) عن النظر إلى العورات والرجال بشهوة ونحو ذلك (5) .

وأمَّا حديث أم سلمة فيمكن الجواب عنه بما يلي:

1ـ أن الحديث مختلف في صحته لان فيه راوٍ مجهول، وهو نبهان مولى أم سلمة لم يوثقه إلاَّ ابن حبّان كعادته في توثيق المجاهيل،وقد ضعف هذا الحديث الألباني، (6) وشعيب الأرناؤوط (7) .

2ـ على فرض صحته فلعل الأمر لهن بالاحتجاب منه لكونه أعمى فربما كان منه شيء ينكشف وهو لا يشعر به (8) ، أو أنه من باب الاستحباب والندب لا الوجوب .

3ـ أن هذا الحديث على فرض صحته خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث: (هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، ألا ترى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم .. ) .

مناقشة القائلين بالجواز:

وجّه إلى الدليل الأول وهو حديث فاطمة بنت قيس بأنها يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه ، ولا يخفى بعده .

وأمّا حديث عائشة فقالوا أنها كانت وقتئذٍ صغيرة لم تبلغ بدليل قولها:"فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن". وأجيب عليه بأن الروايات الأخرى تذكر أن ذلك بعد قدوم وفد الحبشة ، ووفد الحبشة كان في السنة السابعة من الهجرة فيكون عمر عائشة حينئذٍ ست عشرة سنة ، فكانت بالغًا (9) .

الترجيح:

الذي يظهر والله أعلم أن نظر المرأة إلى ما يظهر غالبا من الرجل الأجنبي جائز إذا كان بلا شهوة، ومن مسوغات هذا الترجيح ما يلي:

1ـ أن الآية عامة، ولا يمكن بقاؤها على عمومها لوجود المعارض الصحيح القوي الا بترك العمل بالمعارض ، أو تعسف تأويله تعسفًا متكلفًا .

2ـ قوة أدلة القائلين بالجواز وجميعها في الصحيحين أو في أحدهما ، فلا يقف في وجهها حديث أم سلمة المختلف في صحته، وعلى فرض صحته فإنه مؤول عند العلماء تأويلات مقبولة .

3ـ تناسب هذا القول مع الآية الكريمة: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) فإن النساء أمرن بحفظ فروجهن عقب الأمر بغض البصر لأنه وسيلة إليه ، فيلمس من هذا أن البصر المأمور بحفظه ما كان بشهوة قد تؤدي إلى عدم حفظ الفرج .

4ـ ما رواه البخاري أن امرأة من خثعم وضيئة جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع والفضل بن عباس رديفه فطفق ينظر إليها وتنظر إليه ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل ، فعدل وجهه عن النظر إليها (10) .

فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة بغض بصرها ، وإنما صرف نظر الفضل لما رأى من الريبة في نظره ، ولأنه مأمور بغض بصره عن النساء مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة .

4ـ ما فهمه البخاري رحمه الله مع إمامته في الحديث والفقه، فترجم لحديث عائشة رضي الله عنها ونظرها للحبشة بقوله: باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة (11) .

المسألة الثانية:حكم الاشتراك في هذه القنوات مع احتمال حصول هذه المفسدة.

وللجواب عن هذا يقال:

إن هذه القنوات تندرج تحت أحكام الوسائل في الشريعة الإسلامية ، فهي وسيلة إلى دعوة الناس ، وتعليمهم الخير في زمن تطوّر فيه إعلام الباطل ليعرض الفجور ، والخلاعة ، والشرك ، والبدعة بأنواعها على المسلمين ، وحتى أوجز الحديث عن هذا أورد ما سطره يراع ابن القيم رحمه الله تعالى في تقسيم الوسائل وبيان أحكامها ثم نصنّف هذه المسألة التي نحن بصددها وندرجها تحت قسمها التي هي منه ونعطيها حكمه .

فالأقوال والأفعال المتوصل بها إلى المفسدة ، سواءً كانت محضة أو راجحة أو مرجوحة لا تخلو من أربعة أقسام هي:

1ـ ما كانت وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة ، كالزنا المؤدي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفرش ، فهذا منعته الشريعة إما كراهةً أو تحريمًا، بحسب درجاته في المفسدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت