فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 1226

قَالَ عَلِيٌّ: وَمِنْ عَجَائِبِ حُجَجِهِمْ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا أَرَادَ بِالرِّبَا دَرَاهِمَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا , فَتَخَيَّلَ بِأَنْ صَرْفَهَا بِدَنَانِيرَ , ثُمَّ صَرَفَ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَقُلْت بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ وَرِعٍ , خَائِفٍ لِمَقَامِ رَبِّهِ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ أَرَادَ الرِّبَا فَتَرَكَهُ وَهَرَبَ عَنْهُ إلَى الْحَلاَلِ , هَذَا فَاضِلٌ جِدًّا وَعَمَلٌ جَيِّدٌ لاَ عَدِمْنَاهُ , فَنَرَاكُمْ جَعَلْتُمْ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَهَلْ هَذَا إِلاَّ كَمَنْ أَرَادَ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ , لَكِنْ تَزَوَّجَهَا , أَوْ اشْتَرَاهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا , أَمَّا هَذَا فَحَسَنٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى

1501 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّوَاعُدُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ , وَفِي بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ , وَفِي سَائِرِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ تَبَايَعَا بَعْدَ ذَلِكَ , أَوْ لَمْ يَتَبَايَعَا ; لأََنَّ التَّوَاعُدَ لَيْسَ بَيْعًا.

وَكَذَلِكَ الْمُسَاوَمَةُ أَيْضًا جَائِزَةٌ تَبَايَعَا أَوْ لَمْ يَتَبَايَعَا لأََنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ ، عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَكُلُّ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا فَقَدْ فُصِّلَ بِاسْمِهِ , قَالَ تَعَالَى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فَكُلُّ مَا لَمْ يُفَصَّلُ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلاَلٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , إذْ لَيْسَ فِي الدِّينِ إِلاَّ فَرْضٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَلاَلٌ , فَالْفَرْضُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , وَالْحَرَامُ مُفَصَّلٌ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فَلَيْسَ فَرْضًا ، وَلاَ حَرَامًا فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ: حَلاَلٌ إذْ لَيْسَ هُنَالِكَ قِسْمٌ رَابِعٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقِ.

1502 - مَسْأَلَةٌ: وَلاَ يَحِلُّ بَدَلُ دَرَاهِمَ بِأَوْزَنَ مِنْهَا لاَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلاَ بِغَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُنْكَرُ لاَ الْمَعْرُوفُ , لأََنَّهُ خِلاَفُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ ,وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا آنِفًا ، عَنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم .

وَهُوَ قَوْلُ النَّاسِ , وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَمَا نَعْلَمُ لَهُ مُوَافِقًا قَبْلَهُ مِمَّنْ رَأَى الرِّبَا فِي النَّقْدِ.

1503 - مَسْأَلَةٌ: وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ آنِيَةٍ ذَهَبٍ ، وَلاَ فِضَّةٍ إِلاَّ بَعْدَ كَسْرِهَا لِصِحَّةِ نَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا

وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي"كِتَابِ الطَّهَارَةِ"فَلاَ يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا فَإِذْ لاَ يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا فَلاَ يَحِلُّ بَيْعُهَا ; لأََنَّهَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1504 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ الْمَرْءُ نِصْفَ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ , أَوْ نِصْفَ دَرَاهِمَ بِأَعْيَانِهَا , أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ كَذَلِكَ , أَوْ نِصْفَ دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا مُشَاعًا: يَبْتَاعُ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ , وَالذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ , وَيَتَّفِقَانِ عَلَى إقْرَارِهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا أَوْ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ. وَلاَ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَصْلًا , وَلاَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ أَصْلًا , لأََنَّهُ يَصِيرُ عَيْنًا بِغَيْرِ عَيْنٍ , وَهَذَا لاَ يَحِلُّ إِلاَّ عَيْنًا بِعَيْنٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا

وَأَمَّا الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ مُشَاعًا , فَلَمْ يَأْتِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ نَصٌّ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا

رابعا- جاء في كتاب الروضة الندية باب الربا(1):

قال الله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا وقال: يمحق الله الربا ويربي الصدقات وقال: وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله واتفق أهل العلم أن الربا من الكبائر ، وأنه إذا وقع هذا العقد فهو باطل ، ولا يجب إلا رد رأس المال ، وإن كان ذو عسرة فحكمه الإنظار إلى الميسرة .

أقول: هذا الحكم يستفاد من كتاب الله تعالى . قال عز وجل: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ومفهوم الشرط يدل على جواز أخذ مال المربى مع عدم التوبة ، ويستدل بهذه الآية أيضًا على جواز أخذ ما ربح المربى من الربا ، وهو ما زاد على رأس ماله سواء تاب أو لم يتب .

فالحاصل: أنه يجوز أخذ جميع ماله الربح ورأس المال مع عدم التوبة ، ويجوز أخذ رأس المال فقط معها .

يحرم بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، إلا مثلًا بمثل يدًا بيد ، فإذا إختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد والستة الأجناس المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث . كحديث أبي سعيد بلفظ الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى . الآخذ والمعطي فيه سواء وهو في الصحيح . وسائر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما هكذا ليس فيها إلا ذكر الستة الأجناس . وفي الحجة البالغة ، وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها ، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشئ منها . في شرح السنة اتفق العلماء على أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص الحديث عليها . وذهب عامتهم إلى أن حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها. إنما ثبت لأوصاف فيها ، ويتعدى إلى كل ما يوجد فيه تلك الأوصاف . وذهبوا إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف ، وفي الأشياء الأربعة بوصف آخر . ثم إختلفوا في ذلك الوصف فقال الشافعي: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية . وقال أبو حنيفة: بعلة الوزن حتى أن الربا يجري في الحديد والنحاس والقطن . وقال الشافعي: في القديم ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الطعم مع الكيل والوزن كما قال سعيد بن المسيب . وفي الجديد ثبت فيها بوصف الطعم فقط ، وأثبت في جميع الأشياء المطعومة مثل: الثمار والفواكه والبقول والأدوية ، فدل على أن مأخذ الإشتقاق علة . وقال أبوحنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل حتى أن الربا يجري في الجص والنورة . وسيأتي ما يدفع ذلك كله .

(1) - الروضة الندية - (ج 1 / ص 398)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت