فهرس الكتاب

الصفحة 1087 من 1226

ابن القيم وهو من كبار العلماء المجددين يقول: الربا جلي وخفي فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيد في المال وكلما أخر زاد في المال حتى تصير المائة آلاف مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج ، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر بزيادة ما يبذله له تكلف لذلك ليفتدي من أثر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى آخر فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته ، لذلك قال الله تعالى: يمحق الله الربا . إن الفوائد قد تستغرق كل الممتلكات وكل شيء تملكه فيربو المال على المحتاج من غير نفع يجنيه ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه ، المستقرض سُحق ومص دمه والمرابي سَحق ماله ومُحق من دون أن يفعل خيرًا فيأكل مال أخيه بالباطل ثم يمحق ، ويقع أخوه في غاية الضرر ، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا .

لا تستغرب أحيانًا أجر القرض الحسن عند الله سبحانه ؛ لا يقل عن أجر الصدقة ، لأن القرض الحسن له أصحابه والصدقة لها أصحابها فالذي لا يقبل صدقةً تُحل مشكلته بالقرض الحسن .

الإمام الفخر الرازي يقول: السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض .

مادام يوجد قرض بفائدة فلا تجد معروفًا بين الناس ، لأن الذي يأخذ فائدة على قرضه شعر أنه كسب ، أما الذي يقرض قرضًا حسنًا فإن كان ضعيف الإيمان شعر أن ماله تجمد بلا فائدة .

فكلما شاع القرض الربوي قل القرض الحسن ، شاع الاستغلال وقل الإحسان وشاع التحكم وقل التواصل ، شاعت القسوة وقل التراحم وربنا عز وجل قال إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، وإذا رآنا يقسو بعضنا على بعض إذًا نحرم رحمة الله عز وجل .

الربا إذا حُرِّم هذا قول الفخر الرازي: الربا إذا حُرِّم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله ، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان .

بالمناسبة هناك موضوع حساس فقد شاع بالبلد الاستثمار بنسب ثابتة ، وهذه تشبه الربا تمامًا يعطيه مائة ألف ويقول له أريد عليها ثلاثة آلاف بالشهر ، تحت كلام لا نريد حسابات ومشاكل وكل اثني عشر شهرًا يتقاضى ستة وثلاثين ألفًا ، يا ترى الذي أخذ هذا المبلغ ربح ستة وثلاثين بالمائة ، إذا ربح السبعين بالمائة فممكن أن يكون مرتاحًا بالدفع وإذا ربح ستين بالمائة أعطى أصحاب الأموال أكثر مما ربح ، وإذا ربح ستةً وثلاثين صار خادمًا مجانًا .

أيها الإخوة الكرام:

القضية خطيرة ومنتشرة جدًا حتى إن أناسًا يصلون ورواد مساجد ، يقول أريد على المائة ألف ثلاثة آلاف بالشهر ، ويرفض ألفين وخمسمائة مثلًا .

هذا هو الربا ، النسبة الثابتة ، فأي استثمار للمال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تمامًا ، أحيانًا بشكل آخر يقول لك: أنا أريد أن أشتري بيتًا وأملك نصف ثمنه فيأخذ قرضًا من شخص يساوي نصفه الآخر ويعدّه مؤجرًا ويعطيه على القرض مبلغًا ، الصورة عقد إيجار لكنه عمليًا ربا متى يصح أن تعطي إنسانًا مائة ألف وتساهم معه في شراء بيت وتأخذ أجرة ؟ هذا البيت لو صار ضمن مشروع تنظيمي وأموالك ذهبت لأنك أنت مالك ، وكذلك لو صارت مشكلة والأسعار هبطت ومبلغك قَلَّ ، أما أنت تريد مبلغك كما هو وتريد أن تأخذ عليه أجرًا في هذه المدة ، الصورة عقد إيجار أما الحقيقة عقد ربوي ، وكلكم يعلم أنه في بلاد كثيرة أن المرابين يأخذون شكلًا آخر ، المرابي في دولة تمنع الربا يضع سجادة على باب المحل أي إنسان مقترض للربا يقول له: أتبيعني هذه وهناك عبارة مشهورة أتبيعني هذه السجادة بألف ، يقول له: بعتك إياها ، أتبيعني إياها دينًا يقول له: بعتك إياها ، يكتب في دفتر الذمة من فلان ألف ليرة ثمن سجادة وانتهى العقد ، ثم يقول له: أتشتريها مني بثمان مائة يقول له: اشتريتها ويعطيه ثمنها نقدًا .

ما الذي حصل ؟ دفع الثمان مائة وسجلت ألفًا ، فهذا عقد ربوي ، أما في الصورة فسجادة تباع شكلًا وتشترى وهمًا.

خالق الكون ألا يعرف هذا ؟ أتنطلي عليه هذه الحيلة وأحيانًا تكون الحيلة على شكل صندوق شاي ومرة على شكل سلعة ما ، لا يوجد غيرها يبيعها باليوم مائة مرة ، يبيعها دينًا ويسجلها ويشتريها نقدًا ويدفع ثمنها ، ففي دفتر الحسابات سجل ألفًا ودفع صاحبه ثمان مائة ، وهذا عقد ربوي .

الإنسان حينما يسلك سبيل الحيلة الشرعية فهذا إيمانه بالله صفر لا يعرف الله أبدًا ولكني أقول لكم وأكرر: أكثر شيء شائع بين المسلمين وبين رواد المساجد الاستثمار بنسب ثابتة وهذا يلتقي مع الربا تمامًا من دون شك.

واستئجار البيوت ؛ ساعدته في شراء بيت وأخذت أجرة إلى حين أن يوفيك القرض فهذه الأجرة هي فائدة في الحقيقة ، أما إذا ساعدته في شراء بيت وكتب باسمك وأخذت أجرة فهذا حلال وبعد أن ينتهي وبعد حين يمكنك أن تبيع حصتك بسعر السوق ، أو أن البيت إذا صدر بحقه قرار تنظيم وصار مستملكًا ونزل سعره أو غلا سعره وأنت مالك والمالك ضامن ، فلك ذلك .

والإمام الفخر الرازي يقول أيضًا: إن الفقراء الذين يشاهدون أنه أُخذتْ أموالهم بسبب الربا يلعنون المرابي ويدعون عليه .

شيء طبيعي جدًا المال شقيق الروح ، وكل إنسان أخذ من أموالك فوق طاقتك تلعنه وتتمنى دماره ، أما الذي أعانك بقرض حسن تدعو له ، شتان بين من يدعو لك وبين من يدعو عليك . شتان .

وهناك من يقول: إن الربا أحد أسباب الحروب بين الدول ، القروض الربوية التي أرهقت كاهل بعض الدول الفقيرة هي سبب حروب طاحنة و سفك دماء كثيرة ، إذًا ، اجتماعيًا ، الربا يجعل تقاطع الصلات بين أفراد المجتمع ، ويسبب البطالة ويسهم في غلاء الأسعار ويحرم البلاد قيمة المشاريع الإنتاجية ولهذه العلل كلها: البطالة والغلاء والعداوة وعدم إعمار الأرض ، لهذه الأسباب كلها حرّم ربنا جل جلاله الربا ، قال تعالى {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (275) سورة البقرة

الملخص أن المال لا ينبغي أن يلد المال والأعمال وحدها هي التي يمكن أن تلد المال وبهذا تتوزع الكتلة النقدية بين أفراد المجتمع جميعًا ويعم الرخاء وتنهض الأمة وما هذا الوعيد الخطير في القرآن الكريم للمرابين إلا بسبب أن الربا يعم ضرره الأمة كلها ويؤدي هوانها وذلها .

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت