فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 1226

الشيء الثاني أن الربا أحد أسباب البطالة وهذه أشرت إليها في الدرس الماضي ، فلا تتصور مشروعًا تجاريًا أو صناعيًا إلا وآلاف المصالح متعلقة به ، عندك محل صغير فلا بد من فواتير إذًا فلا بد من مطبعة و المطبعة تحتاج إلى خطاط والخطاط يريد زنغوغراف والمطبعة تحتاج إلى ورق ، فلا بد من الاستيراد والمستورد يريد محاسبًا والمحاسب يحتاج قرطاسية والقرطاسية... عمل متسلسل ، عندما أنت تقيم مشروعًا يجب أن تُشغّل عشرات الألوف وأنت لا تدري فأنت مضطر أن تشتري حاجات ، وخدماتٍ ، تريد شاحنة والشاحنة لها من يصلحها من حين إلى آخر وتحتاج زيتًا وقطع غيار والذي يصلحها لك عنده موظفون يعطيهم معاشات ، فالدولاب إذًا دائم الحركة .

ذات مرة قلت لكم إنه لفت نظري شخصان في مكان ، أحدهما صاحب معمل تطريز ، قال للآخر: بعنا السنة الماضية بيعًا مذهلًا ، فسأله: ما السبب ؟ قال له: كانت أمطارٌ غزيرة في الحسكة و في الجزيرة ، وهو يصنع قماش تطريز و هذا بيعه قليل جدًا ، و لكن لأن الإنتاج الزراعي وفير جدًا فالفلاح عندما اغتنى اشترى لزوجته أقمشة من الدرجة العالية ، إذًا الحركة عبارة عن عجلة إذا دارت فكل شيء يدور معها ، فأول أضرار الربا أنه يسهم في البطالة ، المرابي لا يوجد عنده غير حركة واحدة أن يضع المال بالمصرف و يأخذ إيصالًا و يقبع في بيته ، لا يريد محاسبًا و لا يريد شاحنة و لا يريد مطبعة و لا يريد فواتير ولا يريد أي شيء آخر ، حينما أودع ماله في المصرف و قبع في بيته يتقاضى الفوائد وقد يقول لك و الله: الحمد لله عندي دخل أعلى من حاجتي بكثير ، و هناك نقطة هامة ، هي نقطة خطيرة جدًا وهي: أن الإنسان عندما يعمل يحقق وجوده ، والقابع في بيته تجده في خلاف مع زوجته ، وكل يوم هناك عراك طوال النهار ، تطلب منه مغادرة البيت ، وأن يتغيب عن المنزل لتتفرغ للعمل من دون تدخلاته ، فالعمل يحقق ذات الإنسان وعندئذ كل إنسان يأخذ دوره الحقيقي بالمجتمع .

إذًا الربا يسهم في انتشار البطالة وهناك أرقام مخيفة في بريطانيا فعدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين شخص بنسبة أربعة عشر بالمائة من مجموع العمال ، طبعًا هذه الإحصاءات كثيرة جدًا والآن الغرب يعاني من مشكلات كثيرة ، وأسبابها:

أولًا ـ الربا .

وثانيًا ـ حلول الآلة محل الإنسان .

فمثلًا كنا لكل نول نريد عاملًا يراقبه . وبالآلة تم الاستغناء عن آلاف العمال .

حدثني أخ كان بفرنسا قال لي مائة نول تراقبها كاميرا تلفزيونية واحدة فإذا كان في معمل ألف نول ، عوضًا عن ألف عامل يكفي خمسة عمال و مراقب على الشاشة فقط ، وكذلك التقدم التكنولوجي الحديث جدًا ساهم بالبطالة ، يقولون إن أحد الكتاب عمل عملًا فنيًا أدبيًا مفاده أن التقدم العالي جدًا في الصناعة له منعكس اجتماعي خطير ساهم بالبطالة أيضًا ، أيْ بما أن كل شيء يحل عن طريق أجهزة التحكم الآلية فلم يعد هناك دور للإنسان ، فإنسان خارج الفضاء مثلًا وعاد بعد ألفي سنة فيجد الأمر تبدل تبدلًا جذريًا . كل شيء عن طريق الآلة و الإنسان لم يعد له عمل ، فنحتاج إلى موظفًا من بني البشر فيتقدم ملايين يأخذون شخصًا واحدًا ، والباقي ينتحرون مللًا ، فالعمل يحقق وجود الإنسان . و من دون عمل تفسد حياة الإنسان أي أنّ الفراغ أحد أسباب الفساد الفكري و الخلقي .

إذًا الربا يسهم أيضًا في البطالة الاجتماعية ، و البطالة خطيرة جدًا والفراغ خطير بالنسبة للشباب وإذا كان الآباء قد أكرمهم الله بأبناء صالحين ، فالابن الصالح أحد أسباب صلاحه انهماكه في عمل أو دراسة ويكون وقته مليئًا أما إذا كان بلا عمل أو بلا دراسة فهذا الفراغ أحد أسباب الفساد ، والربا بشكل أو بآخر يسهم بفساد الإنسان ، والعاطل إنسان فاسد ، بالمناسبة لكي لا أتجنى على بعض الإخوة ، فكل إنسان يطلب علمًا دينيًا أو غير ديني فهذا ليس عاطلًا والذي يطلب العلم هذا إنسان عامل من أعلى درجة ، فطلب العلم أعلى درجة ، فإذا كان إنسان لا يعمل لكنه يدرس أو يطلب العلم لا يجوز أن يسمى هذا عاطلًا أبدًا .

النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه شريك يشكو شريكه طالب العلم ، قال له: لعلك ترزق به.

عندنا شيء آخر أن الربا يسبب شقوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية ، أنت عندك حالان وأنت بحاجة للمال ، فلديك طريق رحماني وطريق شيطاني ، الطريق الرحماني أساسه القرض الحسن والطريق الشيطاني أساسه القرض الربوي ومع انتشار القرض الربوي تضعف همة الناس للقرض الحسن ، أول كلمة يقولها لك: أمعقول أن أجمد مالي ؟

كلما انتشر القرض الربوي تضاءل القرض الحسن ، فالقرض الربوي عرّفوه: أنه يساعد المدين كما يساعد حبل المشنقة على إنهاء حياة هذا الإنسان ، كلما مضى يوم يدفع فقط الفوائد لا غير ويبقى الدين كما هو وهذه المشكلة تعانيها الدول الصغيرة مع الدول الكبرى فلو كانت قروضها كلها ربوية فإنك ترى خلال عشر سنوات أوعشرين سنة يسددون فقط الفوائد وأصل القروض ثابت ، إذًا الناس يطلبون المساعدة عن طريق الربا ، وهذا القرض لا يساعد بل يسحق ، لأن المطلوب أن يوفي أصل الدين وعليه أن يوفي الفوائد المركبة والإنسان بالأساس فقير وحَمَّلْته فوق طاقته ، فقد تقترض مائة ألف وتجد أربعين ألفًا فوائدها وقَّع العقد على مائة وأخذ ستين ، انتفع بستين وعليه أن يدفع المائة ، فلو أراد أن يعمل بها عملًا صار رأس ماله قليل والمطالب كثيرة جدًا ، فالقرض يسبب شقاوة للمقترض وليس مساعدةً له ، لذلك تجد في بعض البلاد ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمثل هذا ، يعني هناك مؤسسات للإقراض الحسن ، مؤسسة للزكاة والإقراض الحسن والقرض له فائدة كبيرة جدًا وليس كل إنسان يأخذ مساعدة ، بل قد تجد إنسانًا له قيمته وكرامته وعزته لا يحتاج إلا إلى قرض حسن أما القرض مع فائدة ففوق طاقته ، يجب أن يسدّد ، أصل الدين والفوائد المركبة . أما القرض الحسن فيحل مشكلة كبيرة جدًا ، لذلك نرى القرآن الكريم شَجّع على القرض الحسن وعدّه عملًا صالحًا وشدد على القرض الربوي وعدّه معصية كبيرة .

في بعض بلاد شرق آسيا الفلاح يولد الإنسان وهو مدين ويعيش وهو مدين ويموت وهو مدين لأن القروض كلها تتنامى بفوائد مركبة ، فولد مدينًا وعاش مدينًا ومات مدينًا .

المرابي كأنه مصاص الدماء يأخذ دماء الناس وتعبهم وعرقهم وكل جهدهم ولا يكفي ذلك كله لسداد ما عليهم .

قرأت في الجاهلية قبل الإسلام أحيانًا كانت تصل نسبة الربا إلى ألف وثلاث مائة بالمائة، ثلاثة عشر مِثلًا ، فالقرض الربوي أساسه الاستغلال والقرض الحسن أساسه الإحسان ، بين أن تستغل حاجة الناس وبين أن تحسن إليهم فبينهما مسافة كبيرة جدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت