وتفسير العينة صح عن الصحابة ، وأما النهي عن العينة فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور حديث ابن عمر عند أبي داود وأحمد وهو ثابت قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد ورضيتم بالزرع سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم » .
في هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبب لتسليط الذل فكان الظاهر أن تسليط الذل والعذاب إنما سببه هذه الأمور ومنها العينة ؛ لأن المجيزين وهم الشافعية قالوا: إن الرسول ما نهى العينة وغاية ما في الأمر أنه ذكر خبرًا أنه يأتي أناس يكون من أمرهم كذا وكذا ويسلط الله عليهم عقابًا ولم يقل إن العينة حرام .
سبحان الله !! فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يصرح بمنع العينة فإنه يفهم من ربط الحكم بالعلة أن هذا سبب وعلة ، فحينما تقول مثلًا: عصى الناس ربهم فسلط الله عليهم عذابًا ، ألا يفهم أن سبب هذا العذاب هو المعصية ؟! بلى ، وبالتالي ألا يفهم منعها وتحريمها والتحذير منها ؟! بلى ، وهكذا العينة فيستفاد من ذلك المنع .
وصح عن عائشة رضي الله عنها أنها فسرت العينة بالصورة المعروفة لما جاءتها أم ولد لزيد بن ثابت كما في حديث سبيعة والحديث مختلف في صحته والراجح إن شاء الله تعالى الاحتجاج به كم رجح ذلك ابن القيم وغيره وهو عند الإمام أحمد ، جاءت أم ولد زيد بن ثابت وأخبرت عائشة أن زيدًا اشترى سلعة مؤجلة بمائة وباعها حالة بثمانين - يعني نفس صورة العينة - فقالت: بئس ما شريت وما اشتريت ، أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبط إلا أن يتوب ، أو كما قالت .
فيستفاد من ذلك تصريح الصحابة بالمنع من هذه الصورة وتطبيق العينة على الصورة التي ذكرها الفقهاء .
صور العينة:
العينة الممنوعة ، التي هي ذريعة للقرض الذي جر نفعًا لها صور عديدة:
الصورة الأولى:
وهي من أشهر الصور مما هو موجود اليوم في سوق الدلالين ( الشريطية ) أن يأتي المحتاج إلى المرابي فيقول: أقرضني 80.000 ريال فيقول: ما عندي ، لكن أنا أبيعك سيارتي هذه بـ 100.000 ريال مؤجلة إلى سنة ثم تشتريها مني الآن حالة بـ 80.000 ريال فيأتي المرابي ويبيع السيارة على المحتاج بـ 100.000 ريال مؤجلة ثم يبيعها المحتاج على المرابي بـ 80.000 ريال حالة فيرجع المحتاج بـ 80.000 ريال حالة ويعيدها بعد سنة 100.000 ريال التي هي الثمن المؤجل ، فصارت ربا قرض جر نفعًا .
فحقيقة هذه المسألة قرض جر نفعًا والمؤدى والحاصل أن يقترض زيد من عمرو 80.000 ريال ويشترط عليه عمرو أن يردها عليه بعد سنة 100.000 ريال وهذا ربا الجاهلية .
وهذا البيع الصوري الذي يفعلونه إنما هو تحايل على الله عز وجل كما قال أيوب السختياني رحمه الله: يخادعون الله كما يخادعون صبيًا .
ومعلوم أن الحيل حرام إلا ما أُرخص فيه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها ثم باعوها ثم أكلوا ثمنها » فكل من تحايل للوصول إلى حرام ففيه شبه من اليهود وهم أصل الحيل ، والحيل جاءت من طريقهم ؛ لأنهم أهل الجشع والطمع .
الصورة الثانية:
عكس مسألة العينة وهي داخلة في العينة على الصحيح .
فيشتري المرابي سيارة المحتاج بـ 80.000 ريال حالة ثم يبيعها على الفقير بـ 100.000 ريال مؤجلة فيرجع الفقير بسيارته و80.000 ريال ثم بعد الأجل يعيد له 100.000 ريال فصارت 80.000 ريال أُرجعت 100.000 ربا قرض جر نفعًا .
الصورة الثالثة:
أن يبيع المرابي على المحتاج السيارة بـ 100.000 ريال مؤجلة والفقير لا يبيعها على المرابي ولكن يبيعها على أبيه أو أخيه أو وكيله الذي اتفق معه ويظن أن هذا يخرجه من العينة ، وهذا في الحقيقة لا يخرجه من العينة ، فيدخل شخصًا ثالثًا ولا يخرجه هذا من العينة بحال .
الصورة الرابعة:
أن يدخلا بينهما محللًا ، يدخل معهما في الجريمة ، فيأتي الفقير المحتاج يسأل التاجر المرابي سلفًا فيقول: ما عندي سلف ، لكن اشتر السيارة من فلان من الناس وأنا اشتريها منك ، فيذهب الفقير المحتاج إلى فلان من الناس ( المحلل ) ويشتري منه السيارة مؤجلة بـ 100.000 ريال ثم يرجع إلى التاجر الأول فيبيعها الفقير عليه حالة بـ 80.000 ريال ثم التاجر المرابي يعيدها ثانية على المحلل بـ 80.000 ريال حالة وحينما يأتي الفقير يسدد الـ 100.000 ريال يقتسمان بينهما هذا الربح .
كل هذه من صور العينة .
على كل حال كل بيع توصل فيه إلى الوصول إلى القرض الذي يجر نفعًا فهو داخل في العينة وهو حرام .
وقد ثبت تحريمه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة وعن كثير من السلف ، ثبت عن ابن عباس أن رجلًا اشترى حريرًا بمبلغ حال ثم باعها مؤجلة بأكثر - يعني نفس صورة العينة - فقال ابن عباس: بيع ببيع دخلت بينهما حريرة ، يعني أن هذه لا تعدو إلا أن تكون وسيلة وإلا فإنها غير مقصودة .
الجاري الآن عند بعض الناس أنهم يتعاملون بالعينة كثيرًا ويسمونها الدينة ولذلك تجد عنده مثلًا صناديق هيل أو أكياس بن ونحو ذلك ، ثم يبيعها على المحتاج بـ 100.000 ريال مؤجلة ويبيعها المحتاج عليه أو على شخص ثالث يتظاهرون أنه أجنبي عنهم وهو ليس بأجنبي بل متفق في السر مع البائع يبيعها عليه بـ 80.000 ريال حالة ، وهذه هي حقيقة العينة ، فالواجب الإنكار على أهلها لأنها موجودة بكثرة .
لكن قد يستعمل العامة ( الدينة ) بمعنى التورق ، والتورق فيه خلاف ، منعه بعض وأجازه البعض ، ولعل الراجح إن شاء الله تعالى أنه جائز ؛ لأنه فيه اتفاق .
والتورق بينه وبين العينة فرق دقيق ، فالتورق: أن يأتي ويشتري السيارة من صاحب المعرض بـ 100.000 ريال مؤجلة ثم يبيعها حالة بـ 80.000 ريال على شخص أجنبي ليس بينه وبين صاحب المعرض أي اتفاق ، فهذا هو التورق ويستعمله الناس كثيرًا وذلك بقصد توفير السيولة بأيديهم ، فلا يكون معه دراهم وهو محتاج لعمار أو غيره فيشتري سيارتين إلى أجل ثم يبيعها حالة في السوق ويستفيد من السيولة لإكمال العمار أو مشروعه والمبلغ المؤجل يسدده على أقساط .
هذا على الصحيح أنه جائز وإن كان ورد الكلام فيه عن البعض .
هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
وأَفْرَغَه: أبو العنود
الدمام 30/2/1420هـ
حكم الصور في التصاميم
س: كثر اتجاه بعض الشباب إلى التصميم ( مع الاعتذار لإخواننا المصممين في المنتدى ) .. لكن نجد البعض يضع صورًا بها ذوات الأرواح يف تصاميمه .. واستخدام المصممين للصور على أقسام:
أ.منهم من يضع الصورة كاملة ..
ب. منهم من يضع نصف الصورة .. أو يكتفي بالوجه ..
ج. منهم من يضعها كاملة لكن يزيل الوجه .. أو يظلل عليه ..
فما الحكم في هذا العمل .. في الأقسام الثلاثة .. ؟
ج: أما التصميم فالواجب أن يتجنب المصمم رسم ذوات الأرواح بحيث تكون الصورة كاملة أو الوجه كاملًا ، لكن لا حرج إن كان الوجه غير واضح , أو كانت الصورة للعين لوحدها مثلاُ ونحو ذلك مما لا تظهر فيه صورة الوجه كاملًا ، لحديث ( الصورة الرأس , فإذا قطع الرأس , فلا صورة ) .