فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 1226

وأُرخص فيه لحاجة الناس إليه قديمًا وحديثًا ، فكان المزارع إذا كان وقت البذار والزرع يحتاج إلى مال ليخلص الأرض وينقيها من الآفات والشوائب وليحرث الأرض ويسمدها ويشتري البذر ويحتاج إلى مال لأجر العمال .

وفي الزمان هذا تتضاعف الحاجة نظرًا لشساعة الأراضي المزروعة ولحاجته إلى المعدات والآلات الزراعية .

فهذا المزارع لا يجد مالًا ، فيدخل في عقد السلم مع إنسان آخر يحتاج إلى شراء طعام مؤجل بثمن أرخص من الحال فشرع لسد حاجة هذا وهذا فيعطي المشتري صاحب الأرض مالًا ويجعل هذا المال المدفوع ثمنًا لـ 1000 صاع مثلًا من البر أو الشعير .

من شروط صحة السلم: أن يكون المبيع مؤجلًا والمال مدفوعًا في مجلس العقد .

والسلم - إن قيل أنه بيع - مستثنى من بيع ما لم يوجد ؛ لأن الأصل أنه لا يجوز بيع ما لم يوجد وما ليس عندك ، فهو مستثنى للحاجة .

وإن قيل إنه عقد مستقل بذاته فلا يحتاج إلى هذا الاستثناء .

والسلم جائز بالكتاب والسنة ، فمن الكتاب قوله تعالى { يآ أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } استدل بها ابن عباس وغيره على السلم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » وله شروط مذكورة في كتب الفقه .

النوع الثالث: بيع يباح فيه الأجل:

الأصل في العقود والشروط الإباحة ، والأصل في البيع جواز التأجيل لأحد الثمنين . فالبيع المطلق يجوز فيه التأجيل لكن بشرط أنه ما يلحق بالنوع الأول وهو بيوع الربويات وبيع الدين بالدين أو الذرائع الربوية كالعينة .

النوع الرابع: بيع اختلف فيه الأجل .

1-القرض:

إذا أقرضتَ زيدًا من الناس 1000 ريال إلى شهر فهل يلزم الأجل أو لا ؟

الجمهور قالوا: أن القرض حالّ ولا يتأجل بالتأجيل حتى قال الإمام أحمد: القرض حالّ ولو أجله ، فيحق لك أن تطلب منه الألف الآن وتطالبه بها ولك الحق عليه فلا يلزم الأجل ولو أجله .

وذهب الحنابلة في رواية ومالك رحمه الله والظاهرية وبعض الفقهاء: إلى أن القرض يتأجل بالأجل بمعنى أنه إذا أقرضه 1000 ريال إلى أجل لا يحق له أن يطلبها قبل حلول الأجل .

أدلة المانعين: قالوا: لأنه لو أجل القرض لكان كبيع النسيئة مثل: بيع ريال بريال إلى أجل أو صاع بر ويرده بعد شهر كأنك بعته صاعًا بصاع إلى أجل .

أدلة المجيزين: قالوا: الصحيح أن القرض يتأجل بالتأجيل فلو أقرضه مالًا إلى أجل فلا نطالبه به قبل انتهاء الأجل .

ومن أدلتهم: { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } .

وردوا على المانعين فقالوا: إن عقد القرض غير عقد البيع ، فعقد البيع معاوضة وعقد القرض إرفاق وإحسان فهو أشبه بالصدقة .

واستدل المجيزون: بدليل صحيح في البخاري: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل استسلف من أخ له 1000 فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، و هذا هو الشاهد .

فدل على أن القرض يتأجل بالتأجيل وهذا هو الصحيح .

2-بيع التقسيط ، وهو نوعان:

أ ) أن يعرض السلعة بواحد من ثمنين ، إما حالة بـ 800 أو مؤجلة بـ 1000 ، فإن باعه السلعة وهو متردد ولم يجزم بواحد من البيعين ، فقال: خذها إما بـ 800 حالة أو بـ 1000 مؤجلة ولم يجزم بأحد السعرين فهذا لا يصح للجهالة بالثمن ، وقد قيل إنه معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة والحديث ثابت في السنن .

وأما إن جزم بأحد السعرين بأن قال: خذها إما بـ 800 حالة أو بـ 1000 مؤجلة فقال المشتري: اشتريت مؤجلًا فهل يصح هذا ؟

هذا يدخل في الخلاف الذي سيأتي في النوع الثاني وهو بيع الأقساط .

بأن يبيع مثلًا السيارة إلى شهر بـ 100 وإلى شهرين بـ 200 وإن اختار أجلًا أبعد زاد في الثمن فهل يصح هذا أو لا يصح ؟

قيل بالجواز ، وقيل بالمنع ، وفيما أعلم أن ا لجمهور ذهبوا إلى الجواز ومنع منه بعض السلف ، وقد روي منع ذلك عن سليمان بن يسار وروي عن غيره من الفقهاء .

أما حجة من اختار الجواز ، فهو: الأصل ، فالأصل في البيوع الحل ولم يقم دليل ونص على منع هذا النوع من البيع ولا هو في معنى المنصوص . (5)

حجة المانعين: أنه في هذا البيع ما قصد توفير السلعة في السوق ولكنه قصد المال بدليل أنه زاد في مقابل الأجل فصار كأن قصده الأول هو المال ، فيصير هذا شبيهًا بمسألة: ( إما أن تقضي وإما أن تربي ) وهو ربا الجاهلية . قالوا: لأن الثمن أصبح دينًا في ذمته فهو يضاعفه في كل شهر ، ولذلك منعوا هذا .

وبعضهم فسر حديث: « نهى عن بيعتين في بيعة » ببيوع الأجل هذه ( التقسيط ) فيضع للمال ثمنًا وللمؤجل ثمنًا آخر أكثر منه فمنعوا هذا البيع .

ولكن الذي يظهر والله أعلم: الجواز إن شاء الله تعالى ؛ لأنه الأصل كما ذكرنا ، وليس في معنى المنصوص ، وهو يختلف عن ( إما أن تقضي وإما أن تربي ) لأن ( إما أن تقضي وإما أن تربي ) هذا إذا كان دينًا في ذمته فلما جاء وقت السداد ولم يكن معي المال قال: هي إذا عليك بكذا ، يعني بالزيادة .

ولكن الصورة التي معنا بيع وليست دينًا ، فهو متفق على الزيادة قبل العقد قبل أن يصبح هذا الثمن دينًا في ذمة المشتري ودخل المشتري على بصيرة والشارع لا يمنع من هذا ؛ لأن في هذا تحقيق المصلحتين: مصلحة المشتري بالتأجيل ، ولا شك أن التأجيل لأنفع له من التنجيز ؛ لأنه قد لا يجد .

ومصلحة البائع بالزيادة لأنه لا يمكن - أيضًا - أن يبيع سلعة مؤجلة بالثمن نفسه حالًا فهذا عليه مضرة وعليه نوع خسارة فلأجل مصلحة الفريقين يحكم بجواز المسألة إن شاء الله تعالى خاصة وأنه لم يرد دليل يمنع منها .

أما مسألة أنه جعل للأجل مقابلًا ، فنقول: تقدم الكلام في مسألة ( ضع وتعجل ) أنه ليس كل أجل زيد في مقابلته من المال لا يعتبر هذا ممنوعًا بدليل ( ضع وتعجل ) أسقط مقابل إسقاط بعض الأجل .

إنما المنهي عنه من الزيادة في الأجل في صورة معينة معروفة ، وهي: صورة الدين المؤجل ، أما البيع المؤجل فلا مانع ، ولو جعل في مقابل الأجل زيادة في الثمن فمثل هذا لا يمنع منه الشارع .

والمسألة فيها كلام كثير وتفصيل طويل ، ولكن الراجح إن شاء الله تعالى والمعمول به ما اختاره كثير من المحققين: الجواز .

مسألة / العينة:

العينة داخلة في بيوع الآجال المحرمة ، وإن كانت مختلفًا فيها ، وذهب إلى جوزاها الشافعية ، وهو المذهب المعتمد عندهم لكن الجمهور على منعه ؛ ولذلك تكلمت عنها في بيوع الآجال المختلف فيها .

سميت العينة من العين . ولفظ ( العين ) مشترك لفظي ومن معانيه: النقد ( الدراهم ، الدنانير ) .

وسميت العينة بهذا الاسم: لأن أحد المتبايعين يقصد بالبيع العين ، ولا يقصد السلعة .

وتعتبر العينة ذريعة إلى الربا ، وهذا الربا ربا القرض الذي يجر نفعًا وتقدم أنه ( كل قرض جر نفعًا فهو ربا ) وقد ثبت هذا عن جملة من الصحابة كابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام في البخاري وغيره .

أحيانًا يتوصل إلى القرض الذي يجر نفعًا بنوع من أنواع البيوع الصورية ، التي لا يُقْصَد فيها حقيقة البيع ، وإنما يُتوصَّل بها إلى القرض الذي يجر النفع ومن ذلك: بيع العينة .

والراجح: منع بيع العينة ، وهو قول جمهور الفقهاء وهو الصحيح الموافق للأصول الشرعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت