وإذا كان ربا الجاهلية ظلمه ظاهر على المقترض المحتاج للمال ضرورة، فيعجز عن السداد فيزداد عليه حتى يباع عليه ما يملك او يستعبد هو نفسه، فإن ربا البنوك في المعاملة محل الفتوى، الضعيف فيها هو المقرض المغلوب على امره الذي لا يستطيع ان ينمي امواله ويستثمرها، فيعطلها اذ يدفعها الى المقترض يتقوى بها على الباطل والحرام فيستثمرها في الربا وهذا ضرره ابلغ، فإن ضرر المدين المضطر على نفسه والظلم واقع عليه ابتداء، لكن ضرر البنك خاصة اكبر لأنه ضرر على المجتمع بأسره في تعطيل المال، وحرمان المجتمع من التنمية. ولا يخفى ان الظلم ظلم سواء من الدائن او المدين، فالبنك المدين هنا يظلم الدائن اذ يعطيه القليل فهذه الفائدة بحد ذاتها ظلم ومانحها ظالم، ثم يتحول بمال المدين الذي ملكه ليصبح دائنا قويا يأخذ اكثر مما اعطى، فضرره ثنائي مضاعف. ولقد بحت اصوات الاقتصاديين في التنبيه على اضرار الربا المدمرة للافراد والمجتمعات والدول وانها السبب الرئيسي في تباعد طبقات المجتمعات في المجتمع الواحد بين فئاته وبين الدول الغنية والفقيرة، حيث يكبل القوي الضعيف بالديون وفوائدها فيستغل خيراته ويستعبد اهله.
ولسنا هنا في معرض بيان آثار الربا ومساوئه على الفرد والاسرة والمجتمع والدول والاقتصاد العالمي برمته، فهذا قد خصصت له بحوث مطولة من علماء الاقتصاد قبل علماء الشريعة. والفتوى تشير بوضوح الى ان للبنك مطلق الحرية في استثمار المال كله لصالحه بعد ان يتفضل بالقليل لاصحاب الاموال، وتعلل الفتوى حل ريع هذا الاستثمار لاموال المودعين «بانه حق خالص لهذه البنوك مقابل جهدهم ونشاطهم» فكيف يكون هذا الظلم حقا وهو استغلال لأموال اصحاب الاموال؟ وكيف يكون حقا خالصا؟ وهو انما يستثمره في الحرام البين، لان من سطر هذه الفتوى ووافق عليها يعلم قبل غيره ان البنك انما يستثمرها في بنوك أخرى بطريق الربا لا غير.
هـ ـ الفقرة الخامسة: «وقد يقال ان البنوك قد تخسر فكيف تحدد هذه البنوك للمستثمرين اموالهم عندها الارباح مقدما؟ والجواب: اذا خسرت البنوك في صفقة ما فإنها تربح في صفقات أخرى، وبذلك تغطي الارباح والخسائر» . هذه الفقرة تؤكد ان اصحاب الفتوى العلماء (حفظهم الله) يدركون ان البنوك ضامنة للربح لانها لن تخسر فان البنك ضامن ربحه في صفقته مع البنوك الأخرى، وعلى فرض الخسارة فإن البنك يوزع المخاطر فيعقد عدة صفقات مع بنوك أخرى. فالخسارة ان وقعت محدودة ونادرة. والارباح تغطي الخسائر لو وقعت، والصفقات المشار اليها معلوم لدى من يفتي بانها صفقات ربا لا ريب. اذ البنوك ممنوعة من اي صفقات في غير الربا. ولا تمتنع البنوك من اعطاء الفائدة لاصحاب الاموال. والا فالقضاء ينصفهم لان القضاء يعتبر الفائدة المحرمة حقا للمقرض وواجبا لا ينفك اداؤه عن المقترض.
و ـ الفقرة السادسة: «والخلاصة ان تحديد الربح مقدما للذين يستثمرون اموالهم عن طريق الوكالة الاستثمارية في البنوك او غيرها حلال لا شبهة في هذه المعاملة فهي من قبيل المصالح المرسلة وليست من العقائد او العبادات التي لا يجوز التغيير او التبديل فيها. وبناء على ما سبق فان استثمار الاموال لدى البنوك التي تحدد كالربح او العائد مقدما حلال شرعا ولا بأس به» .
هذه الفقرة تكرر المعاني السابقة فتقر بأن تحديد الربح او بالمعنى الصحيح اشتراط ضمان الربح حلال ما دام مبنيا على الوكالة الاستثمارية ـ المقصود الوكالة بالاستثمار ـ في البنوك او غيرها، وهنا يدخل في الفتوى غير البنوك من الشركات والمؤسسات المالية، واعتقد ان المراد هو البنك السائل وهو «بنك الشركة المصرفية العربية الدولية وغيره من البنوك» ولكن سرعة الصياغة ربما اوقعت في هذا اللبس غير المراد. وتؤكد الفقرة بأن هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها. وهذا ايماء لوجود الشبهة، والا لا كتفى بأن المعاملة حلال، وتضيف الخلاصة دليلا آخر لم يسبق ذكره وهذا عيب في الفتوى ان تذكر دليلا في الخلاصة لا ذكر له في اصل ادلة الفتوى، ويحشر في الفتوى حشرا. وهو قول الفتوى بأن «هذه المعاملة من قبيل المصالح المرسلة» واظن ان من بين اعضاء المجمع الحاضرين ثلاثة من الفقهاء المختصين المتعمقين في الفقه واصول الفقه، وهم الوحيدون الذين اعترضوا على الفتوى. وهم يعلمون يقينا ما معنى المصالح المرسلة. ولا اظن ذلك يخفى ايضا على بقية العلماء الكرام. فالمصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يرد نص باعتبارها فينص على انها جائزة، ولم يرد نص بالغائها فينص على انها غير معتبرة وملغاة. وقد اوردت الفتوى نصا قرآنيا ادعت انه دليل اعتبار هذه المعاملة وهي قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم» فتكون مصلحة معتبرة لا مصلحة مرسلة بناء على هذه الآية. وقد بينا ان الاستشهاد في غير محله ولم يبق الا ان هذه المعاملة محرمة وهي من الربا، وهي حينئذ مصلحة ملغاة بالنص القاطع وهي اي من التحريم من القرآن واحاديث النبي صلى الله عليه وسلم واجماع فقهاء الامة. فهي مصلحة يتحقق فيها شرط الالغاء، ثم ان عبارة «انها من قبيل المصالح المرسلة وليست من العقائد او العبادات التي لا يجوز التغيير او التبديل فيها» عبارة غير سليمة علميا، فإن العقائد والعبادات لا تقابل بالمصالح المرسلة، وانما تقابل بالمصالح المرسلة المصلحة المعتبرة التي ورد النص باعتبارها، والمصلحة الملغاة التي ورد النص بالغائها والمصلحة العامة والخاصة التي وردت النصوص باعتبارها، فمحل المصالح والمصالح المرسلة هو في المعاملات، ومن المعاملات المحققة للمصالح ما لا يجوز فيه التبديل او التغيير بادخال شروط او الغاء بعضها كعقد السلم والاستصناع والمضاربة ونحوها مما بني اصلا على المصالح. وانما العبادات والعقائد يمكن ان تقابل المصلحة بالمعنى العام، لان المصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان، ولكنها وفق ضوابطها بألا تخالف نصا من الكتاب او السنة او الاجماع او القياس، والا تفوت مصلحة اكبر.
وبناء على ما سبق من هذا البيان المستقرئ للفتوى بالرد والتصحيح فإنه يسعنا القول: ان هذه الفتوى مردودة لمصادمتها نصوص الشرع القاطعة بحرمة الربا، وخرقها لاجماع الفقهاء قديما وحديثا وانها قول شاذ لا يدخل في باب الاجتهاد. اذ لا اجتهاد مع النص. وانها لا تستند الى تكييف او دليل شرعي، بل هي صريحة في ابتنائها على اقراض البنك واعطاء فائدة محددة مقدما ومضمونة ومنسوبة لرأس المال ويعيد البنك مع الفائدة رأس مال المقرض وهذا عين الربا المقطوع بحرمته نصا واجماعا. ولو لم يكن في هذه الفتوى الا شبهة للربا لبطلت اذ شبهة الربا ربا.
وتبطل هذه الفتوى بتضافر اجماع مجامع الفقه في هذا العصر بدءا بقرار مجمع البحوث الاسلامية وقد سبق ذكر فتواه والتي شارك فيها قرابة مائة وخمسين فقيها من خمس وثلاثين دولة، ومجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي الذي يضم الدول الاسلامية كلها ممثلة بأبرز علمائها وبحضور زهاء مائة واربعين فقيها ومجمع الفقه برابطة العالم الاسلامي، وفيما يلي ذكر هذه الفتاوى، وتذييلها بفتوى فضيلة شيخ الازهر عينه ونفسه الشيخ محمد سيد طنطاوي. وكل هذه الفتاوى في الموضوع نفسه اقراض البنك ومنح البنك فائدة على هذا الاقراض.
جريدة الشرق الأوسط 04/02/2003