بناء النفس والأسرة، وبناء المجتمع والأمة لا يكون إلا باكتساب، ولا اكتساب إلا بعمل. والعمل لا يكون إلا بالتعامل مع الآخرين، سواء كان العمل والاكتساب مشروعًا أم غير مشروع، أخلاقيًا أم غير أخلاقي.
وأحكام الإسلام لم تكن كنظريات الاشتراكيين التي ألغت الملكية الفردية، وقتلت أبناءها، وأدت بهم إلى العطالة والبطالة. وهي كذلك ليست رأسمالية تعطي الحرية المطلقة في الأموال ليسحق الأقوياء الضعفاء، ويكونوا بمثابة العبيد والخدم لهم، والعمال لديهم. كلاَّ! ليست أحكام الإسلام في التعاملات كذلك؛ إذ وازنت بين حق الفرد في الملكية الخاصة وبين حاجة المجتمع بما يحقق التقارب والألفة والأمن، فأعطت الفرد حق تنمية ماله بالكسب المشروع، ولم تحرمه من ابتكارات في التجارة ما دامت في حدود الحلال. وفي الوقت ذاته أغلقت تشريعات الإسلام منافذ الاستبداد المالي، والاحتكار التجاري، واستغلال الطبقات الفقيرة وحاجتها إلى المال، وفتحت أبواب الإحسان والقرض والصدقة، والمضاربة المشروعة.... إلخ.
وفي هذه المقالة عرض لبعض آثام الربا الشرعية، وأضراره الدينية والدنيوية؛ تلك الكبيرة من الذنوب التي عمت وطمت في العصر الرأسمالي، وتمت عولمتها قبل عولمة أي شيء آخر؛ إذ إن الربا انتشر في كل بلاد العالم انتشار النار في الهشيم منذ عشرات السنين، أي قبل أن يتحدث الناس عن العولمة.
ومع بالغ الأسف فإن انتشار هذه الجريمة النكراء هُوِّن وقعها على القلوب؛ حتى ألفتها فلم تعد تنكرها؛ بل صار الإنكار على من ينكرها في عصر أصبح الباطل فيه حقًا ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن كان يظن أن هذه الكبيرة المقيتة ستوجد لها المسوغات وتوضع لها المبررات؟ وممن؟! من شيوخ معممين يحملون أعلى الإجازات العلمية في الدراسات الإسلامية، ويتربعون على سدة مناصب الإفتاء في بلادهم.
وأضحت اليوم كثير من المعاملات المحرمة بالأمس تصنع لها المخارج الشرعية، وتتحول تدريجيًا من دائرة الحرمة المغلظة إلى الأخف إلى المشتبه، إلى مسائل خلافية يجيزها بعض ويحرمها الأكثر، ثم العكس يجيزها الأكثر ويحرمها بعض، حتى يخفت صوت المُحرِّم لها شيئًا فشيئًا فتصبح حلالًا.
ولإقناع جمهور الأمة التائه في غابة تلك التعاملات التي تخرج لنا الآلة الرأسمالية كل يوم منها عشرات الصور، عمدت كثير من صروح الربا المشهورة التي تحاد الله ورسوله وتعلن الربا صراحة إلى إقناع الواقفين على عتباتها مترددين بفتاوى تجيز بعض أساليبهم وتعاملاتهم. تصورها وتوزعها وتعلقها على جدران الصرح الربوي الشامخ؛ وإنها لمهزلة أن يكون سند من يجاهر بحرب الله ورسوله فتوى خطتها أنامل من يدعو إلى الله تعالى وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم !!
أضرار الربا الشرعية:
1 الربا من معاملات اليهود والمشركين:
كان من أعظم أمور الجاهلية، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال عن طريقه؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس في حجة الوداع حينما خطبهم فقال:"ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ثم قال: وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله" (1) .
واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سببًا من أسباب عقوبتهم كما قال الله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما.
{النساء: 160، 161} .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه" (2) .
ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم، ونشروا المعاملات المحرمة، وحطموا أسعار كثير من العملات، وأفقروا كثيرًا من الشعوب.
فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله تعالى من المشركين واليهود، وكفى بذلك إثمًا وخسرانًا.
2 أنه محاربة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم:
جاء الزجر عن الربا في كتاب الله تعالى عنيفًا شديدًا؛ إذ هو من الذنوب العظائم القلائل (3) التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله.
وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله تعالى بإشهار السلاح، وإزهاق الأرواح، واغتصاب الأموال، وترويع الآمنين، وقطع السبيل؛ فإن أكلة الربا يحاربون الله تعالى بدمار المجتمعات، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى الفساد في الأرض، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة الخوف، وقلة الأمن.
إن أَكَلَةَ الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق، ولا يأخذون المال عنوة؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم!! وينتهبون أموال الناس وهم يربتون على أكتافهم!!
إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق؛ ولكنها أوسع نطاقًا، وأكثر تنظيمًا ومخادعة؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال بالقوة؛ وقد قال الله تعالى محذرًا منها: يا أيها الذين آمنوا \تقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون {البقرة: 278، 279} .
وويل ثم ويل لمن حارب الله تعالى وهو يمشي على أرضه، ويأكل رزقه، وينعم بفضله. قال ابن عباس رضي الله عنهما:"يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب" (1) . وعنه رضي الله عنه قوله في معنى الآية:"فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله" (2) .
وقال قتادة السدوسي رحمه الله تعالى:"أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون؛ فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا" (3) ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى سوء خاتمة أكلة الربا (4) .
3 أن فيه كفرًا لنعمة المال:
لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال، ولم يشكر نعمة الله تعالى به عليه؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثمًا، فكان كافرًا لنعمة ربه عليه؛ فمآل ماله إلى المحق ونزع البركة، كما قال الله تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم {البقرة: 276} . قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"أي لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بآكل أموال الناس بالباطل" (1) .
4 أن الربا مخل بالإيمان:
كل معصية تخل بإيمان العبد، وعلى قدر المعصية يكون اختلال الإيمان؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مذهب السلف الصالح وأتباعهم بإحسان، وقد قال الله تعالى في شأن الربا: وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين {البقرة: 278} ، قال القاسمي رحمه الله تعالى:"فبيّن أن الربا والإيمان لا يجتمعان" (2) .
ولذا كان المتعامل حقيقًا باللعن والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى. قال جابر رضي الله عنه:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء" (3) .
5 أنه من المهلكات للأفراد والأمم:
أما الأفراد فقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الربا من التسع الموبقات (4) ، ثم عده في السبع الموبقات (5) التي حذّر منها وأمر باجتنابها.