وأما على مستوى الأمم فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه:"ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله" (6) وكفى بذلك زاجرًا عنه للأمم التي تود المحافظة على اقتصادها، وتخشى الكوارث والنوازل.
6 الربا أعظم إثمًا من الزنا:
ورد في السنة النبوية أحاديث كشفت حقيقة تلك الجريمة النكراء، وأبانت بشاعتها وقبحها بما يردع كل مؤمن بالله تعالى والدار الآخرة عن مقاربتها بَلْهَ مقارفتها؛ ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" (7) .
وكذا حديث عبد الله بن حنظلة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" (1) .
قال الشوكاني رحمه الله تعالى:"قوله: أشد من ست وثلاثين... إلخ"يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور، بل أشد منها؛ لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح" (2) ."
ومن نظر في هذين النصين وشواهدهما من السنة النبوية تبين له أن قليل الربا أعظم من كثير الزنا، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا؛ حيث سماه الله تعالى فاحشة وساء سبيلًا، ونهى عن الاقتراب منه كما قال تعالى: ولا تقربوا الزنى"إنه كان فاحشة وساء سبيلا {الإسراء: 32} ، وحرمت الشريعة الطرق المفضية إليه، وسدت الذرائع الموصلة له. وفيه خيانة كبرى لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها. ويؤدي إلى فساد الأخلاق، وارتفاع الحياء، واختلاط الأنساب، وفشو الأمراض، وحصول الشكوك، وتبرؤ الزوج من نسبة ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك، وربما حصل عنده شك في أولاده من زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت. وحد غير المحصنين الجلد والتغريب، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن يتوبوا، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوى فيه أجسادهم."
رغم ما تقدم كله فإن الدرهم من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية؛ فإذا كان هذا في درهم واحد فكيف بحال من يأكلون الألوف من الربا بل الملايين والمليارات؟!
وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا، ومن كان كسبه من فوائد الربا الخبيثة، ومن كانت وظيفته كتابة الربا، أو الدعاية له، أو حراسة مؤسسته؟!
وما هو مصير جسد ما نبت إلا من ربا، وأولادٍ ما أطعموا إلا من كسبه الخبيث وما غُذّيت أجسادهم إلا عليه، فما ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت؟
الصلة بين الربا والزنا:
إن المتأمل للحديثين السابقين وما في معناهما يجد أن ثمة علاقة وثيقة بين جريمتي الربا والزنا، وأن الربا أشد جرمًا من الزنا؛ فما هو السر في ذلك يا ترى؟!
إن الذي يظهر لي والعلم عند الله تعالى أن من أهم أسباب انتشار الزنا في الأمم تعامل أفرادها بالربا، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها، أما الزنا فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتها وولدها ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا لم يكن ثمة مجاهرة به، وإقرار له (1) .
إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة، والفجوة بين الفقراء والأغنياء التي تزداد اتساعًا وانتشارًا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير كلما اقترض تضاعفت ديونه، وازداد فقره واشتد جوعه؛ حتى يُضْعِفَ الفقر والجوع والحاجة غيرته على عرضه، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد مالي يقلل فقره ويشبع بطنه. وما زنت الزانية المحتاجة أول ما زنت إلا لما جاع بطنها، وصاح رضيعها واحتاج أهلها، ولربما أمرها وليها بالزنا عوذًا بالله من أجل أن تطعم أسرتها. وإذا انكسر حياؤها مرة فلن ينجبر أبدًا حتى تتخذ الزنا مهنة لها إلا أن يشاء الله تعالى؛ والواقع يشهد ذلك في كل البلاد التي عمّ فيها الربا، وزال من أفرادها الإحسان؛ حتى أصبح المال في أيدي عدد قليل من عصابات المرابين، وأما بقية الناس فيغرقون في ديونهم، ويموتون جوعًا وفقرًا. فالربا ليس سببًا في وقوع الزنا فحسب؛ بل هو سبب لانتشاره في الأمم، وإذا كان الزنا جريمة أخلاقية؛ فإن الربا جريمة أخلاقية مالية تجر إلى كوارث عدة من انتشار البطالة والفقر والجوع والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة.
7 المتعامل بالربا يُعذَّب في قبره وعند نشره:
الربا من المعاملات التي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمه، الآخذ والمعطي فيه سواء.
وآكل الربا يُبعَث يوم القيامة وهو يتخبط في جنونه كما قال تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
{البقرة: 275} .
قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى:"يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق" (2) ، وقال وهب ابن منبه:"يريد إذا بُعِثَ الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى"نصب يوفضون {المعارج: 43} إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس؛ وذلك لأنهم آكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم؛ فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون" (2) ."
ويشهد لهذا المعنى حديث مرفوع فيه ضعف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها حيات تُرى من خارج بطونهم؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أَكَلَةُ الربا" (1) .
وأما عذابه في البرزخ فكما جاء في حديث المنام عن سمرة بن جندب رضي الله عنه وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، فيأتي ذلك السابح إلى ذلك الذي جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا حتى يذهب به سباحة إلى الجانب الآخر"وذكر في تفسيره في آخر الحديث أن ذلك السابح الناقل للحجارة آكل الربا (2) .
قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى:"إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر. وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا، وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه" (3) .
8 أن المتعامل به ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء" (4) .
قال النووي رحمه الله تعالى:"هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين، والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل" (5) .
وقال الصنعاني:"أي دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة، وهو دليل على إثم من ذكر وتحريم ما تعاطوه، وخص الأكل؛ لأنه الأغلب في الانتفاع، وغيره مثله" (6) .
أضرار الربا الدنيوية: