الثالث: ربا القرض ، ويقع إذا حصل المقرض على فائدة بسبب القرض ، سواء كانت مشروطة أو متعارفا عليها ، قلت أو كثرت ، كأن يقرضه مائة ألف ريال مقابل مائة وعشرة آلاف ريال عند الأداء أو مقابل أن يهدي له شيئا وقت الأداء أو قبله أو بعده ، أو يشتري منه سلعة بأكثر من ثمنها ، أو يبيعه سلعة بأقل من ثمنها ، أو تحت أي ستار ، أو يقدم له خدمة لحديث: « إذا أقرض أحدكم أخاه فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ، ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك » (1) رواه ابن ماجه .
وعند البخاري في تاريخه:"إذا أقرض فلا يأخذ هدية"، وأخرج البيهقي عن فضالة موقوفا: « كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا » رواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم ، ورواه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي بلفظ: « أن النبي- صلى الله عليه وسلم - نهى عن قرض جر منفعة » ، وفي رواية: « كل قرض جر منفعة فهو ربا » ، قال الشوكاني: قال عمر بن زيد في المغني: لم يصح فيه شيء ، ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صحيح . ولا خبرة لهم بهذا الفن ، ومعنى هذا الأثر صحيح ، لما سبق من الأدلة ، ولحديث: « إذا ضن الناس بالدينار والدرهم ، وتبايعوا
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2432) .
بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد في سبيل الله ، أنزل الله بهم بلاء ، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم » (1) رواه أحمد ، وأبو داود ولفظه: « إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم » (2) ، والعينة وسيلة إلى الربا ، لأنه يبيع على المحتاج إلى النقد صفقة ، مائة كيس بسعر الكيس بمائة وعشرة ريالات إلى أجل ويشتريها منه بسعر الكيس بمائة ريال ، أو يبيعه السيارة بمائة ألف ريال إلى أجل ، ويشتريها منه بثمانين ألف ريال نقدا ، وكأنه باعه المائة الريال نقدا في الصورة الأولى بمائة وعشرة ريالات إلى أجل ، وباعه ثمانين ألف ريال نقدا في الصورة الثانية بمائة ألف ريال إلى أجل ، والعين التي وقع عليها التعاقد صوريا رجعت له ، ومعلوم أن للوسائل حكم الغايات ، فالوسيلة إلى الربا ربا ، قال ابن القيم في استدلاله على عدم جواز بيع العينة بما روي عن الأوزاعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » (3) ، وقال: هذا الحديث وإن كان مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق .
(1) سنن أبو داود البيوع (3462) ,مسند أحمد بن حنبل (2/28) .
(2) سنن أبو داود البيوع (3462) ,مسند أحمد بن حنبل (2/84) .
(3) صحيح البخاري البيوع (1954) ,سنن النسائي البيوع (4454) ,مسند أحمد بن حنبل (2/435) ,سنن الدارمي البيوع (2536) .
والخلاصة: تبين مما ذكرت أن ربا الفضل يقع فيما اتحد فيه العوضان جنسا وعلة ، وأن مجهول التساوي كمعلوم التفاضل ، ويقع ربا النسيئة فيما اتحد فيه العوضان جنسا وعلة ، أو علة فقط ، وإذا اختلف العوضان جنسا وعلة ، أو انتفت علة الربا انتفى الربا ، وتبين أن كل قرض جر نفعا فهو ربا ، سواء كانت الفائدة أو المنفعة التي يحصل عليها الطرف المقرض مشروطة أو متعارفا عليها ، أما إذا قضاه المقترض أفضل مما أخذ منه أو أهدى له هدية وكانت المهاداة بينهما جارية من قبل فلا حرج ، لحديث أبي رافع قال: « استلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رجل بكرا ، فجاءته إبل الصدقة فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أعطه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء » (1) رواه أحمد ، ومسلم ، وأصحاب السنن ."
وقال جابر بن عبد الله: « كان لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق فقضاني وزادني » (2) رواه أحمد والبخاري ومسلم .
ومما يجب التنبيه عليه أن أكثر المعاملات التي يجري فيها الربا اليوم فيما أعلم هي:
1 -عند استبدال الحلي ، فيشتري بائع الذهب من العميل ذهبا رجيعا من عيارات مختلفة أو مطعما بفصوص ولآلىء ونحوها بسعر الجرام ويبيع منه ذهبا مصنعا بسعر الجرام أيضا ، وتجري المقاصة بينهما ويدفع الفرق ، فيقع بينهما ربا الفضل للجهل بالتساوي ، وكذلك ربا النسيئة لعدم التقابض .
وللتخلص من ذلك يجب أن يشتري التاجر الحلي الرجيع من العميل ويدفع له ثمنه نقدا من غير جنسه ، ثم يبيع منه الحلي المصنع ويقبض ثمنه منه .
2 -عند حاجة الشخص إلى نقد ، فإنه يأتي إلى التاجر فيشتري منه سلعة بزيادة سعر إلى أجل ، ثم يبيعها من صاحب
(1) صحيح مسلم المساقاة (1600) ,سنن الترمذي البيوع (1318) ,سنن النسائي البيوع (4617) ,سنن أبو داود البيوع (3346) ,سنن ابن ماجه التجارات (2285) ,مسند أحمد بن حنبل (6/390) ,موطأ مالك البيوع (1384) ,سنن الدارمي البيوع (2565) .
(2) صحيح البخاري الصلاة (432) ,صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (715) ,سنن النسائي البيوع (4590) ,سنن أبو داود البيوع (3347) ,مسند أحمد بن حنبل (3/319) .
المحل بسعر أقل نقدا ، فيقع بينهما ربا الفضل سواء حصل التقابض بينهما أو لم يحصل ، وكأنه باع نقدا حاضرا بنقد مؤجل أكثر منه ، وهذه مسألة العينة السالف ذكرها .
أما لو حاز السلعة التي اشتراها منه وباعها من شخص آخر ليس وكيلا للبائع أو متواطئا معه لشرائها له ، فلا ربا .
3 -إذا أراد شخص بناء بيت أو فتح محل تجاري مثلا واحتاج إلى نقد فإنه يأتي إلى البنك يأخذ منه مائة ألف ريال قرضا ويرهن منه أرضا أو دارا ويوثقه له إلى أجل ، وعند قبض المبلغ يقبض منه ثمانين ألف ريال فقط ، ويكون الفرق هو الفائدة التي حصل عليها البنك ، وكأنه اشترى مائة ألف ريال إلى أجل بثمانين ألف ريال حالة .
أما ما يقع من بيع التقسيط بسعر أعلى من سعر النقد فليس بربا ، ولكنه قد يقع بعض من يتعاطون هذه البيوع في محظور ، وهو بيع ما ليس عنده أو بيع السلعة قبل قبضها ، وهما من البيوع المنهي عنها لحديث: « إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه » (1) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان بإسناد حسن .
ولحديث: « كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه » (2) رواه البخاري ومسلم .
(1) سنن الترمذي البيوع (1232) ,سنن النسائي البيوع (4603) ,سنن أبو داود البيوع (3503) ,سنن ابن ماجه التجارات (2187) ,مسند أحمد بن حنبل (3/402) .
(2) صحيح البخاري البيوع (2017) ,صحيح مسلم البيوع (1526) ,سنن النسائي البيوع (4606) ,سنن أبو داود البيوع (3499) ,سنن ابن ماجه التجارات (2229) ,مسند أحمد بن حنبل (2/142) ,موطأ مالك البيوع (1337) ,سنن الدارمي البيوع (2559) .
ولحديث: « إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ربح ما لم يضمن » (1) رواه أصحاب السنن .
هذا ما أردت تبيينه والله أسأل أن ينفع به ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا بمنه وكرمه ، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .
(1) سنن الترمذي البيوع (1234) ,سنن أبو داود البيوع (3504) ,سنن ابن ماجه التجارات (2188) ,مسند أحمد بن حنبل (2/175) ,سنن الدارمي البيوع (2560) .
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 50 / ص 104)