علة الربا في النقدين:
لا أدري لعل غيري كان يتساءل كما كان مني التساؤل منذ كنت في المرحلة الثانوية أدرس ضمن دراستي مادة الفقه مسائل الربا ، وذلك حينما أجد الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن ضابط ما يجري فيه الربا بالعلة فيقولون: علة الربا في النقدين الوزن ، وفي غيرهما الكيل . فأي مناسبة في الوزن لجريان الربا في النقدين ، وفي الكيل لجريانه في غيرهما من الأصناف الأربعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت ؟ الواقع أن التعليل بالوزن أو بالكيل لجريان الربا تعليل بوصف طردي لا حكمة فيه ، والتعليل بالوصف الطردي ممتنع لدى جمهور علماء الأصول ومحققيهم . قال الآمدي في كتابه ( إحكام الأحكام ) في بحثه: القياس وشروطه (1) .
( اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة
(1) ج3 ص12 .
المجردة ، والمختار أنه لا بد أن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث . أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم ، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه ، بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: الأول: أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم ، والحكم في الأصل معروف بالخطاب ، لا بالعلة المستنبطة منه . الثاني: أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه ، فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهذا دور ممتنع ) . ا هـ .
وقال الأستاذ علي حسب الله في كتابه ( أصول التشريع الإسلامي ) نقلا عن صاحب شرح التلويح ما نصه (1) : ( إن جمهور العلماء على أن الوصف لا يصير علة بمجرد الاطراد ، بل لا بد لذلك من معنى يعقل بأن يكون صالحا لبناء الحكم عليه ) . ا هـ .
وفي مسودة آل تيمية جاء ما نصه (2) :
( مسألة ) قال ابن برهان:"لا يجوز القياس والإلحاق إلا بعلة أو شبه يغلب على الظن عند أصحابنا وأكثر الحنفية - إلى أن قال - وكذلك ذكر المسألة أبو الخطاب صاحبنا والقاضي ، وهو منصوص أحمد ، ولفظه في المجرد: ولا يجوز رد الفرع إلى أصل حتى تجمعهما علة معينة تقتضي إلحاقه ، فأما أن يعتبر ضرب من التنبيه فلا ) . ا هـ ."
(1) ص132 طبع دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة .
(2) ص377 من مسودة آل تيمية .
وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه ( إعلام الموقعين ) في معرض انتقاده التعليل بالوزن لجريان الربا في النقدين ما نصه (1) : ( وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض ) . ا هـ .
ففي انتقاده التعليل بالوزن لعدم وجود مناسبة ، إشارة إلى أنه رحمه الله يشترط المناسبة في العلة كغيره من محققي علماء الأصول . وفي انتقاد القول بأن علة الربا في النقدين الوزن وفي غيرهما الكيل يقول الأستاذ محمد رشيد رضا في كتابه ( يسر الإسلام وأصول التشريع العام ) ما نصه (2) : ( ولم أر مثلا لجعل الكيل والوزن علة للربا بأظهر من جعل الدخول في الجوف علة لتحريم الأكل والشرب على الصائم ، في كون كل من العلتين لا يدل عليهما الشرع ولا اللغة ولا العقل المدرك للحكم والمصالح ) . ا هـ .
وهناك من العلماء من أجاز التعليل بالوصف الطردي ، واعتبره بمثابة المناط . ففي المستصفى للغزالي قال ما نصه (3) : ( لا معنى لعلة الحكم إلا أنها علامة منصوبة على الحكم ، ويجوز أن ينصب الشرع السكر علامة لتحريم الخمر ، ويقول اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر . ويجوز أن ينصبه علامة للتحليل أيضا ، ويجوز أن يقول: من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل مسكر ، ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر ) . ا هـ .
(1) ج2 ص137 .
(2) ص62 .
(3) ج2 ص57
وقال في موضع آخر من المستصفى (1) : ( وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها العلامة ) . ا هـ .
وقال في كتابه ( شفاء العليل ) حسبما نقله عنه الدكتور سعيد رمضان في كتابه ( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ) ما نصه (2) : ( فكل ما جعل علة للحكم فإنما جعل علة ، لأن الشارع جعله علة لا لمناسبة ) . ا هـ . وقال ابن قدامة رحمه الله في كتابه ( روضة الناظر ) ما نصه (3) : ( ومعنى العلة الشرعية العلامة . ويجوز أن تكون حكما شرعيا - إلى أن قال - وتكون مناسبا وغير مناسب ) . ا هـ .
على أي حال فليس هذا موضوع بحثنا ، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا وتبريرا لتساؤلنا . وعلى أي حال فسواء أكثر القائلون بجواز التعليل بالوصف الطردي ، أم قلوا ؟ فإن هذا لا يغير ما نحن بصدده من ذكر أقوال الفقهاء رحمهم الله في علة الربا في النقدين ، ومناقشتها واختيار ما نراه أقرب إلى الصواب منها .
لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في الذهب والفضة ، نتيجة اختلاف مفاهيمهم في حكمة تحريمه فيهما . فمن تعذر عليه إقامة دليل يرضاه على حكمة التحريم ، قصر العلة فيهما مطلقا . سواء أكانا تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين . وهذا
(1) ج2 ص93 .
(2) ص92 من كتاب ضوابط المصلحة .
(3) ج2 ص313 من روضة الناظر .
مذهب أهل الظاهر ، ونفاة القياس ، وابن عقيل من الحنابلة حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها . فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ، ولا في غيرهما مما يعد نقدا . والأمر في تحريم الربا فيهما عندهم أمر تعبدي .
وغير أهل الظاهر ومن قال بقولهم فهموا للتحريم حكمة تتفق مع مراعاة الشريعة تحقيق العدل والرحمة والمصلحة بين العباد في الأحكام ، وتتفق مع ما لهذه الشريعة من شمول واستقصاء ، فاعتبروا النص على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة من قبيل التمثيل بهما ؛ لما ينتج التعامل به في حال التفاضل ، أو الإنظار المستلزم الغالب التفاضل من الفساد والظلم والقسوة بين العباد ؛ فاستخرجوا مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا ، إلا أنهم اختلفوا في تخريج المناط . فذهب بعضهم إلى أن علة الربا في النقدين الوزن ؛ فطردوا القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن ، كالحديد والنحاس والرصاص والصفر والذهب والفضة والصوف والقطن والكتان وغيرها . وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد ، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ، وقد اختلفوا فيما أخرجته الصناعة عن الوزن ما لم يكن ذهبا أو فضة ، كاللجم والإبر والأسطال والقدور والسكاكين والألبسة من قطن أو حرير أو كتان ، وكالفلوس ؛ فذهب جمهورهم إلى عدم جريان الربا فيها . وذهب بعض العلماء إلى أن علة الربا في الذهب والفضة غلبة الثمنية . وهذا الرأي هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي ، فالعلة عندهما في الذهب والفضة قاصرة عليهما . والقول بالغلبة احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين . فالثمنية عندهم طارئة على الفلوس فلا ربا فيها ، وذهب فريق ثالث إلى أن العلة فيهما مطلق الثمنية . وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد . قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة . وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من محققي العلماء .