[ و اتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ]
بسبب تأثير ثقافة المترفين في الشعوب المستضعفة، وبسبب ضغط المستكبرين على مراكز القرار في الدول النامية وبالذات على بعض المراكز الاعلامية والدينية، فقد راجت ثقافة المرابين الذين قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا( وقد تحدث الدكتور الزحيلي عن تأثيرات هذه الثقافة على بعض المراكز الدينية ومع الأسف فقال: ومن هذه الهجمة(ضد حرمة الربا) ما كتبه السيد فهمي هويدي في مجلة العربي العدد/341/ أبريل، نيسان 1987م شعبان 1407 هـ ناقلًا عن بعض العلماء القول في إباحة فوائد الإيداع في البنوك، وعدم الاعتماد على مبدء"كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا"لعدم ثبوت كونه حديثًا، وبالتالي عدم جواز الاستدلال به. ومنها فتوى هذا العالم، وهو الدكتور عبد المنعم النمر بإباحة فوائد المصارف في جريدة الاهرام (القاهرية) يوم الخميس 27 من شوال 1409 هـ الموافق 1/6/1989م، ومنها فتوى مفتي مصر الدكتور محمد سيد طنطاوي بإباحة شهادات الاستثمار بتاريخ 7/5/1410 هـ 7/12/1989 م.
والطامة الكبرى بيان مفتي مصر المذكور قبل ربيع سنة 1410 هـ وقبل نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 الذي أحل فيه الفوائد الربوية لشهادات الاستثمار والبنوك المتخصصة، وأعقبه عام 1991 بأن فوائد المصارف حلال في جميع أنحاء الأرض. (1)
هكذا تسربت ثقافة الربا حتى إلى المناطق المحرمة عليها؛ أي إلى حيث ينبغي أن يبدء الحرب منه ضده. ولكن ما هي الأدلة التي يعتمدها مثل هذا الفريق من الناس؟
1/ يقولون إن الله إنما حرّم الربا أضعافًا مضاعفة، والفوائد التي تؤخذ دون ذلك بكثير.. والجواب:
أولًا: كل الربا يتسبب في تكدس الثروة عند طبقة معينة وتتضاعف لديهم.
ثانيًا: الأدلة الشرعية على تحريم الربا لا تختص بالآية التي نهت عن أكله أضعافًا مضاعفة. (2) إذ هناك آيات أخرى تحرمه مطلقًا، وتصرح بأن الذي يرجع من الدين إنما هو رأسمال المالك، حيث يقول سبحانه: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ((البقرة/279)
وهذه الآية تدل على أن الربا ظلم وهو كذلك؛ والظلم قبيح وحرام، كثيره وقليله.
2/ ويقولون ما الفرق بين أن يؤجر المالك داره لأحد، أو يؤجره قدرًا من المال يستطيع به تأجير دار لنفسه، فالثروة هنا وهناك ذات قيمة، سواءً كانت متمثلة في دار أو في ثمنها؟ وهكذا يقولون (3) إن الربا المحرم هو ربا القروض الاستهلاكية - أي التي يقترضها ذوو الحاجة الملحة ويؤدونها أضعافًا مضاعفة، أما القروض الإنتاجية التي يقترضها الموسرون للتشغيل في مشروعات إنتاجية- صناعية أو تجارية أو زراعية تدر عليهم ربحًا وفيرًا، فليست الفائدة المؤداة ربا محرمًا لعدم توافر معنى إستغلال حاجة المحتاج. (1)
والجواب عن ذلك:
أولًا: إن الأحكام الشرعية لا تعتمد على الحالات الخاصة والمضطربة؛ ولأن أضرار الربا كثيرة، فان الشريعة لم تحرمه فقط، بل وحرمت كل الأبواب التي تفضي إليه..
والربا كما الزنا، وأخطر منه، إذا سمح له المجال إكتسح الساحة. ألا ترى كيف حرّم الدين الحنيف التبرج والنظر الى النساء، وأوجب الحجاب والاستيذان وسنّ عشرات الأحكام التي تساهم في منع إنتشار الزنا وزعزعة الكيان الأسري؟
ثانيًا: ليس الرأسمال كل شيء في الإستثمار، وإنما عمل الإنسان والتوفيق يلعبان دورًا أساسيًا فيه. ونعني بالتوفيق؛ الظروف المساعدة التي لا يستطيع حتى أفضل الخبراء معرفتها مسبقًا والتنبؤ بها، فكيف بعامة الناس. فأنت تقترض مثلًا عشرة آلاف دولار بفائدة ثابتة لكي تستثمره في إستصلاح أرض وزراعتها، وتجتهد نفسك في هذا السبيل. فهل تضمن أن يكون الموسم موسمًا زراعيًا حسنًا؟ كلاّ؛ فإذا منعت السماء قطرها وتحطمت آمالك فإنك لست فقط مديون بعشرة آلاف دولار، بل وأيضًا بفائدتها. حسنًا أنت والذي أقرضك تعيشان في بلد واحد، والجفاف يضرب هذا البلد وأنت عملت وهو قد أعطاك ثروته، فلماذا تتحمل أنت دونه ضرر الجفاف، أما هو فيبقى يجني الثروة ويضاعفها دونك؟
من هنا عجزت المدارس الاقتصادية في تبرير الفوائد الثابتة، واختلفت الأنظمة في العالم في تحديدها..
وأقوى تبرير قدمه البعض للربا ما يذكره الكاتب الشهير أبو الأعلى المودودي في كتابه الربا، حيث يقول: إن تحريم الربا شيء يتعلق بالعواطف أكثر مما يتعلق بالحقيقة، بل لا علاقة له بالحقيقة أصلًا، وأن ليس إقراض أحد غيره شيئًا من المال دونما شيء من الربا إلاّ سماحة خلقية قد شط الدين وجاوز حد الفطرة، إذ طالب بها الناس بمثل هذه الشدة والتأكيد. وإن الربا شيء معقول من الناحية المنطقية، وأمر نافع لا مندوحة عنه للإنسانية، وإنه لا يقبل أي إعتراض من الناحية الاقتصادية. (1)
هذه خلاصة التبرير الذي يقدمه النظام الاقتصادي القائم على أساس الربا اليوم، ولنا عليه ملاحظات شتى:
أولًا: لا يمكن فصل الاقتصاد عن سائر شؤون البشر، حيث إن الإنسان كل لا يتجزأ، ونظرتنا الى الإنسان تؤثر في نظرتنا الى الاقتصاد..
وأهم ميزة للانسان حياته الاجتماعية، وإنما قامت الحضارات الشامخة في تاريخه على قاعدة القيم الاجتماعية، فإذا نزعناها فإن أسس بقاء الإنسان فوق هذا الكوكب يتزعزع، بل وينهار. واليوم مع تقدم العلم وتنوع وسائل الفتك الجماعي وازدياد وسائل القهر والابتزاز، تزداد الحاجة إلى الخلق الكريم. والإحسان صفة إنسانية لا يمكن بقاء البشر من دونه.
والإحسان يبدء من إهتمام الوالدين بالطفل، وينتهي الى إحساس كل فرد بضرورة مساعدة المحتاج. وإذا كنت تملك فائض الثروة (ويسمى بالعفو في لغة القرآن) وكان غيرك يحتاجها، فمن واجبك الإنساني أن تعطيه؛ سواءً إنفاقًا أو قرضًا.
ومن العجب إن الدول الرأسمالية تفرض على رعاياها مبالغ طائلة من الضرائب، وهي لا تعترف بواجب الإحسان.
ثانيًا: في مجتمع يحرم الربا تبقى ثروات عائمة كثيرة، فإما تجد طريقها الى التجارة أو المضاربة، أو تختزن لحين الحاجة. فما أجملها أن نقضي بها حاجة الفقراء والمنكوبين، لماذا لا؟ وهم نعم الحفظة للثروة، أوَ ليسوا أفضل من صناديق الحديد؟
قد يقال إذًا نخاطر بها عندهم، إذ قد تذهب أدراج الرياح. نقول: بلى؛ ولكنها لا تذهب عند الله الذي قال سبحانه: (يَمْحَق الله الرِّبا وَيَرْبي الصَّدَقَات(. والإنسان إذا دفع لأخيه قرضًا ثم لم يستطع الوفاء به، يمكنه أن يعتبره زكاة ماله. أوَ ليس الواجب عليه دفع شيء من ماله زكاة؟
ثم يمكن للمقرض أن يستوثق من المدين قبل دفع الدين له بالرهن أو الضامن أو أي نظام آخر.
ثالثًا: لقد إستمرت الحضارة الإسلامية قرونًا متطاولة، وقد إتسعت رقعة نفوذها حتى شملت شعوبًا كثيرة في أربعة قارات، وكان اقتصادها خاليًا من الربا، بل ومما يؤدي الى الربا من الذارئع المختلفة، وكان اقتصادًا مزدهرًا مما دلّ على أن الربا لم يكن ضرورة في البنية الاقتصادية.
رابعًا: لقد سبق الحديث أن الربا يوقف حركة النمو في المجتمع، لأنه يكرس الطبقية، ولأن الفقراء يزدادون بسببه فقرًا، ولذلك فهم يفقدون القوة الشرائية، وبالتالي لا يساهمون في النمو الاقتصادي. بينما القرض يسبب في تنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد، ويزداد الفقراء غنى، ولا يبخس الأغنياء حقهم.