وقد تدرج كثير من الناس بهذه المعاملة إلى الوقوع في الربا الصريح ، ربا الجاهلية الذي يأكلونه أضعافًا مضاعفة ، فإذا حل الأجل ولم يوف المدين إما لعجزه أو مماطلته قال له الدائن . خله يبقى بمعاشرته فيربى عليه كل سنة ذلك الربح الذي اتفقا عليه وسمياه معاشرة ، نسأل الله تعالى السلامة .
المخرج المشروع:
والموفق يستطيع التخلص من هذا الفخ الذي أوقعه فيه الشيطان والشح ، فيصرف تعامله إلى البيع والشراء على الوجه السليم ، ويقضي حاجة المحتاج إما بإقراضه ، وإما بالسلم بأن يعطيه دراهم بعوض يسلمه له بعد سنة أو أكثر حسبما يتفقان عليه ، مثل أن يقول: هذه عشرة آلاف ريال اشتريت بها منك ، مائة كيس سكر تحل بعد سنة ، وقيمة الكيس بدون أجل مائة وعشرة ريالات ، فهنا حصل للبائع الذي هو المستدين انتفاع بالدراهم ، وحصل للمشتري الذي هو الدائن انتفاع بربح عشرة ريالات في كل كيس ، وربما يرتفع سعره عند الوفاء فيربح أكثر ، وربما ينزل فلا يحصل له إلا دراهمه أو أقل وبهذا يخرج عن الربا ويكون كالبيع المعتاد الذي يربح فيه أحد المتعاقدين أو يخسر حسب اختلاف السعر . وهذه المعاملة كانت شائعة بين الناس إلى عهد قريب وتسمى في لغة العامة (المكتب أو الكتب) ينطقون الكاف بين السين والكاف ? فهاتان طريقتان لقضاء حاجة المحتاجين: القرض والمكتب . فإن لم يشأ المتعاقدان ذلك فثم طريقة ثالثة إذا كانت حاجة المدين بشيء معين مثل أن يكون محتاجا لسيارة أو ماكينة وقيمتها كذا وكذا ، فيبيعها الدائن عليه بأكثر إلى أجل يتفقان عليه ، لأن قصد المدين هنا نفس تلك العين لا دراهم بدراهم .
(( ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ) [الطلاق: 2-3] ، (( ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) ) [الطلاق:4] ، هكذا قال الله تعالى . وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ويُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ) ) [الأنفال:29] .
وقال تعالى: (( وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ ومَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) [البقرة:275] .
فالتوبة إلى الله تعالى إذا كانت نصوحًا تمحو ما قبلها ، وإذا كانت هذه المعاملات المحرمة فعلها العبد تقليدًا لمن يحسن الظن به أو تأويلًا اشتبه عليه به وجه الصواب ثم رجع إليه بعد علمه به فإنه لا يؤاخذ به ، فإنما المؤاخذة فيمن علم الخطأ وتمادى فيه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
الهوامش:
1-وألحق جمهور العلماء بها ما يساويها في العلة والحكمة على خلاف بينهم في تحقيق العلة ، وليس هذا محل بسطها.
2-ولذا يحكى ابن تيمية الخلاف في التورق ، ولكن يقول في هذه المعاملة: هو من الربا الذي لا ريب فيه.
مجلة البيان - (ج 18 / ص 49)
الفتاوى
وصلت المجلة هذه الأسئلة من الأخوة القراء وقد توجه بها مندوبنا إلى فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب عليها مشكورًا ، وجزاه الله خيرًا ونفع به.
ما حكم الإيداع في البنوك الربوية ؟
يجوز للضرورة إذا لم يوجد غيره من البنوك الإسلامية وخيف عليها من اللصوص ...
ما حكم المساهمة في شركات تتعامل في الربا وأصل نشاطها ليس ربويًّا ؟
لا يجوز المساهمة في مثل هذه الشركات إذا كانوا يودعون عند البنوك ويأخذون فوائد ربوية يضيفونها إلى رأس المال.
ما حكم المضاربة في المصارف الإسلامية ؟
يجوز إذا تحقق أنها إسلامية ليس فيها شبهة ولا تدخل مع البنوك الربوية.
ما حكم التجارة بشراء العملات سواء عن طريق البنوك أو عن طريق شركات خاصة ؟
يجوز الصرف الذي هو بيع نقد بنقد بشرط الحلول والتقابض قبل التفرقة ويقوم قبض الشيك الذي له رصيد مقام قبض النقد.
ما الذي يفطرمن الأشياء التالية:
-القطرة: العينية ، الأنفية ، الأذنية ؟
-الحقنة: العضلية ، الوريدية،الجلدية ؟
-حقن المخدر في اللثة لقلع الأسنان؟
-استعمال فرشاة ومعجون الأسنان أثناء الصيام ؟
-المبخرات عن طريق الفم كاستنشاق الدواء عن طريق الفم في مرض الربو ؟
-التحاميل الشرجية، الحقن الشرجية ؟
-تفطر الأنفية إذا وصلت إلى الحلق ، ولا تفطر العينية والأذنية وإن كانت مكرو هة ..
-يفطر من الأبر ما يصل إلى الجوف كحقن الوريد وما كان مغذيًّا أو مقويًّا من غيرها.
لا تفطر حقن المخدر حيث إن أثرها موضعي لا يتجاوز موضع الأسنان.
-استعمال الفرشاة والمعجون مكروه مخافة أن يختلط بالريق ويدخل الجوف ، وإذا تحفظ فإنه لا يفطر.
-المبخرات يكره إلا لضرورة وحينئذ فلا يفطر.
-التحاميل تفطر حيث إنها تدخل إلى الجوف.
والله أعلم.
تنويه ورد (حول كلام الشيخ ابن باز في الربا)
مجلة البيان - (ج 36 / ص 94)
تنويه وردّ
أرسل لنا الدكتور علي السالوس - حفظه الله - عن طريق هيئة الرقابة الشرعية في مصرف قطر الإسلامي هذا الرد من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على ما كتبته جريدة"الأهرام":
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه .
أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة"الأهرام"- الصادرة في 18/2/1411 هـ الموافق 7/7/1990 م نقلًا عن معالي وزير الأوقاف المصري بأنني أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة .. اهـ المقصود .
ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم أعلن أن هذا النقل لا صحة له ، وقد صدرت عني فتاوى كثيرة نُشرت في الصحف المحلية وغيرها بتحريم الفوائد البنكية المعروفة ؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك. وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعًا لكل ما يوافق شرعه المطهر ويعيذهم من أسباب غضبه . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
مجلة البيان - (ج 100 / ص 36)
دراسات اقتصادية
الربا والأدوات النقدية المعاصرة
د. محمد بن عبد الله الشباني
يمثل تعدد أنواع وأشكال الأدوات النقدية المستخدمة في سداد الالتزامات المالية أهم المتغيرات في المجتمع المعاصر فيما يتعلق بموضوع التبادل النقدي، بجانب اتساع نطاق الاتجار بالعملات الورقية، التي تمثل الأداة النقدية ذات الإلزام النظامي في سداد الالتزامات الناشئة عن التبادل السلعي والخدمي في المجتمع.
إن دراسة ظاهرة استخدام الأدوات النقدية المتعددة في سداد الالتزامات الناشئة عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة (مثل: الشيكات، وبطاقات الائتمان المختلفة) كأدوات تحل محل النقود المعدنية أو الورقية، يرجع إلى ما يكتنف هذه الأساليب من تساؤلات عن مدى شرعية هذه الأدوات من ناحية، ومواطن الربا التي يمكن أن توجد نتيجة لاستخدام هذه المستجدات من وسائل سداد الالتزامات من خلال الوحدات المصرفية المختلفة من ناحية أخرى.
يرتبط فهم طبيعة هذه الأدوات ودورها في تحقيق أهم وظائف النقود بفهم النظرية النقدية، التي تهتم بربط النقود بالمتغيرات الاقتصادية.