وفيها خضوع الإنسان لربه وانطراحه بين يديه ولولا هذه النوازل لم يُرى الإنسان على باب الالتجاء والمسكنة، والله تعالى يبتلى خلقه بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به فهذه من النعم في طي البلاء: كم نعمة لاتستقل بشكرها لله في طي المكاره كامنة .
قال سفيان بن عيينة: (وما يكره العبد خير له مما يحب لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء وما يحبه يلهيه) [13] .
ويقول المنبجي رحمه الله: وليعلم أهل الصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب وما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته وإستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت *** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلولا أنه سبحانه وتعالى يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا و بغوا وعتوا وتجبروا في الأرض وعاثوا بالفساد ، فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي وصحة وفراغ وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها تمردت وسعت في الأرض فسادًا مع علمهم بما فعل بمن قبلهم فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال ؟ . اهـ
وفيها العلم بحقارة الدنيا وهو أنها أدنى مصيبة تصيب الإنسان تعكر صفوه وتنغص حياته وتنسيه ملاذه السابقة والكيس الفطن لا يغتر بالدنيا بل يجعلها مزرعة للآخرة .
وفقني الله وإياكم لاغتنام هذه الحياة بالباقيات الصالحات ، والتزود من أعمال الخير والبر .
قال تعالى: (( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) ) (البقرة: 197) .
اللهم أيقظ قلوبنا من الغفلات، وطهر جوارحنا من المعاصي والسيئات، ونقِ سرائرنا من الشرور والبليات.
اللهم باعد بيننا وبين ذنوبنا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، وثبتنا على الصراط المستقيم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعلنا من المتقين الذاكرين الذين إذا أساؤوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، الذين يريدون أن تكون كلمتك هي العليا، اللهم ثبتهم وسددهم، وفرج همهم ونفس كربهم وارفع درجاتهم. اللهم واخز عدوهم من اليهود والنصارى، ومن شايعهم من الباطنيين والمنافقين، وسعى في التمكين لهم وتسليطهم على المسلمين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين كلمتهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين وعبرة للمعتبرين.
اللهم عليك بهم، اللهم زلزل بهم الأرض، وأسقط عليهم كسفًا من السماء، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيع والبدع والعناد والفساد، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
[1] رواه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح .
[2] متفق عليه .
[3] أخرجه أحمد والبيهقي وصححه الألباني .
[4] أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
[5] ذكرها ابن القيم في عدة الصابرين ، ص124 .
[6] مدارج السالكين 2/172 ، 202 .
[7] أخرجه مسلم .
[8] رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
[9] فتح الباري - ابن حجر [ جزء 13 - صفحة 61 ] .
[10] بدائع الفوائد 2/432 .
[11] الجواب الكافي ، ص 73 .
[12] رواه مسلم
[13] الفرج بعد الشدة ، ص 22 .
وهذه من المسائل التي يكثر الآن وقوعها والسؤال عنها، وإن كان الأكثر على جوازها، لكن كون طالب العلم يفهم دليل القول الآخر وما يجاب عنه، ودليل من قال بالجواز وما اعتمد عليه، هذا مهم جدًا .
1-تعريفها:
الجمعية مأخوذة من الاجتماع .
والموظفون: جمع موظف، وهو من يعمل لدى الدولة، أو في مؤسسة، أو شركة، وأضيفت الجمعية للموظفين لأن الغالب أن من يتعامل فيها موظفون، و إلا فإنها قد تكون بين التجار أو المزارعين أو الصناع ونحو ذلك، فإن الموظف يتحصل على مرتب شهري مطرد، فإذا كان كذلك فإنه يتمكن من الدخول في هذه الجمعية.
أما بالنسبة للتاجر أو الفلاح أو الصانع ونحوهم فقد يتحصل له ذلك المرتب أو الغلة في آخر الشهر وقد لا يتحصل له ذلك .
2 -صورها:
جمعية الموظفين لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغا من المال متساويا عند نهاية كل شهر أو كل شهرين، أو كل سنة حسب ما يتفقون عليه .
الصورة الثانية:أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغًا من المال متساويًا عند نهاية كل شهر أو شهرين مع اشتراط ألا ينسحب أحد منهم حتى تنتهي الدورة - يعني حتى يدور عليهم الأخذ.
الصورة الثالثة: كالصورة الثانية، أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغًا من المال متساويًا يأخذه أحدهم عند نهاية كل شهر أو شهرين، حتى تنتهي أكثر من دورة؛ دورتان أو ثلاث إلخ حكم الصورة الأولى:
هذه الصورة أشار إليها العلماء- رحمهم الله- وممن أشار إليها أبو زرعة الرازي وهو من أئمة المحدثين وأشار إلى جوازها .
لما وجدت هذه الصورة الآن وكثر تعامل الناس بها، اختلف فيها المتأخرون في جوازها، هل هي جائزة أو ليست جائزة على قولين:
القول الأول: أنها معاملة جائزة ولا بأس بها، وهذا قال به أكثر المتأخرين، وممن قال به من المتأخرين: الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-، وكان الشيخ محمد ابن عثيمين يقول: كان الشيخ يرى التحريم ثم راجعته فيها، ثم رجع إلى الجواز.
وكذلك مما قال به الشيخ محمد بن عثيمين: وقد انتصر لها كثيرًا، وفي بعض كلامه أنها من الأعمال المندوبة لما سيأتي، من أنها تفك حاجات المحتاجين، وأنها تغني كثيرًا من الناس عن الالتجاء إلى البنوك الربوية وغير ذلك، ولما فيها من التعاون على البر والتقوى.
وكذلك الشيخ عبد الله بن جبرين وغالب أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة يرون أن هذه المعاملة جائزة ولا بأس بها .
القول الثاني: أنها محرمة ولا تجوز، ومن أشهر من قال بهذا الشيخ صالح الفوزان، وكذلك الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة الآن .
أدلة القول الأول: وهو الجواز:
1-قالوا: إن هذا العقد من العقود التي جاءت الشريعة بجوازه، لأن حقيقة هذا العقد هو قرض فيه إرفاق بالمقترض، حيث أن المقترض يأخذ القرض ويرد مثله ولا زيادة عليه، يعني هو يأخذ -مثلًا - ألفًا أو ألفين أو خمسة آلاف ثم يردها، وليس هناك زيادة عليه، فهذا قرض لا يخرج عن القرض المعتاد، إلا أن الفرق بينه وبين القرض المعتاد أن الإقراض في الجمعية يشترك فيه أكثر من شخص، والقرض المعتاد يكون بين شخص وآخر .
2-كذلك أيضًا استدلوا بالأصل، وأن الأصل في مثل هذه الأشياء الحل، الأصل في المعاملات الحل، وقد ذكرنا هذا في الضابط الأول من الضوابط التي تدور عليها المعاملات .
3-وكذلك أيضًا قالوا: في هذا تعاون على البر والتقوى، فمثلًا هذه الجمعية طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم على البعد عن البنوك الربوية، والمعاملات المحرمة كالربا ونحو ذلك .