المعنى السادس: أن يتجلى للمؤمن أو العالم ويثبت له ما لم يثبت لغيره ، وهذا من معاني اهدنا الصراط المستقيم ، ولذا كان الأئمة الكبار أئمة الحديث المتقدمون المحققون يقع لأحدهم ـ بسبب البحث والتحري والاطلاع على الأسانيد ومعرفة الرجال وتتبع طرق الحديث ـ من القطع واليقين والجزم بأن هذا الحديث صحيح ، بل قد يكون عنده متواتر ويحلف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا ونطق به ولا يستثني ويكون محقًا في ذلك بارًا راشدًا ؛ لأنه تيقن ذلك يقينًا قلبيًا جازمًا بسبب عملية البحث الطويلة والاطلاع ومعرفة الأسانيد والمتون والطرق والرجال وغيرها فمثل هذا العالم تحقق له من اليقين في مسألةٍ ما لم يتحقق لغيره حتى من العلماء فضلًا عن عامة الناس ممن لم يصلوا إلى هذا ولم يسلكوا طريقه ، فيكون لهذا العالم هداية خاصة خصه الله تعالى بها عرف بها صحة هذا الحديث بل ثبوته بل تواتره أحيانًا وأنه ضروري وقطعي ويقيني ما لم يقع لغيره ، ولا يستطيع هذا العالم أن يلزم غيره بذلك ممن لم يسلك هذا السبيل ولم يصل إلى هذه النتيجة، فهذه أنواع من الهدايات التي يطلبها المرء .
أخيرًا: لماذا يقع هذا ؟
هذا التنوع الذي يحدث ويتجدد له أسباب عديدة منها:
أولًا: هناك ما هو من باب تجدد الاجتهاد الفقهي والدعوي ودفع التعصب والهوى وترك تقليد النفس ، وهذا يحتاج إلى تجرد والتزام بالنقد وتصحيح المفاهيم والتصورات والأعمال والمواقف والاجتهادات الفردية والجماعية فبسبب ذلك يقع الانتقال .
ثانيًا:قد يقع ذلك بسبب تغير الظروف والبيئات وأحوال الناس ، فيكون لكل حال ما يناسبها ، الداعية كالتاجر الذي يعرض بضاعته في السوق ، لكن بضاعته ليست سلعةً من سلع الدنيا ، وإنما هي أغلى السلع وأعظمها، بضاعته الهداية والتي ثمرتها الجنة ( ألا إن سلعة غالية ألا إن سلعة الله الجنة ) والتاجر لا يستطيع أن يتحكم في الأسعار ولا في نوعية البضائع ولا في طريقة البيع ولا في الزبائن ، وإنما قصاراه أن يعرض بضاعته على الناس ، وهو إذا كان حريصًا على تسويقها ونشرها وإيصالها فسوف يتلطف ويتذرع بكل وسيلة أذنت بها الشريعة، وسوف يجدد من وسائل العرض والتقديم والتوصل إلى قلوب الناس وعقولهم والتأثير عليهم فيما يحبون مما أباحه الله تعالى ووسع فيه مما هو من التنوع المحمود .
وهاهي الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي كله تغير قراراتها وتغير سياساتها وتحالفاتها بحسب تجدد الأحوال وتغير الظروف.
وهاهي الدول العظمى والإمبراطوريات الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية ...تحاول أن تهيمن وتسيطر على معاقد الأمور في العالم كله، ومع ذلك تغير سياساتها وتحالفاتها وتغير خريطة علاقاتها الدولية ومواقفها السياسية والاقتصادية وقوانينها الداخلية إلى غير ذلك بسبب الأحداث التي طرأت.
فالوقوف والجمود على أمر معين ليس أمرًا جديرًا بمن يعيشون الحياة وتقلباتها .
ثالثًا: ومنه ما يكون بسبب تنوع الخبرة والدراية وإحكام التجربة المبنية على عقل الإنسان ، والتجربة لا تحصل للإنسان إلا بخوض الغمرات وقوة الملاحظة والصبر والتدبر ، وما يمنح الله سبحانه وتعالى عبيده من الفهم والإدراك ، ولهذا لما سئل علي رضي الله عنه:هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل البيت بشيء ؟
قال:"لا.والذي برأ الحبة وفلق النسمة إلا فهمًا أوتيه رجل في كتاب الله تعالى". فالناس يتفاوتون في فهومهم سواء فهمهم لكتاب الله عز وجل أو فهمهم لمجريات الأمور ومعرفة النتائج من مقدماتها ، ولهذا يقول بشار بن برد العقيلي:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … …
برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … …
فإن الخوافي قوة للقوادم
وما خير كفٍ أمسك الغل أختها … …
وما خير سيف لم يؤيد بقائم
وخل الهوينا للضعيف ولاتكن … …
نؤومًا فإن الحزم ليس بنائم
وأدن على القربى المقرب نفسه … …
ولا تشهد الشورى امرءًا غير كاتم
فإنك لا تستطرد الهم بالمنى … …
ولا تبلغ العليا بغير المكارم
ويقول المتنبي في قصيدته المشهورة:
الرأي قبل شجاعة الشجعان … …
هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة … …
بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه … …
بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغم … …
أدنى إلى شرف من الإنسان
ولما تفاضلت النفوس ودبرت … …
أيدي الكماة عوالي المران
إن الواقع الإسلامي على جميع الصعد ليس هو الخيار الأمثل ولا الصورة الشرعية، ولذا يتحتم على المصلحين السعي في التدارك والتغيير وفق الأحكام إلى القاعدة الشرعية (ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) .
سليمان بن تُركي التُركي 11/4/1424
اسم الكتاب:بيع التقسيط وأحكامه
المؤلف: سليمان بن تُركي التُركي
الناشر:دار إشبيليا / السعودية
عدد الصفحات: 558
انتظمت الرسالة بعد المقدمة في تمهيد، وثلاثة فصول، وتتمة، وخاتمة.
التمهيد خصصه لدراسة مصطلحات البحث ، وجاء في مطلبين: الأول في تعريف البيع وأقسامه ،والثاني في تعريف التقسيط والأجل فيه .
أما الفصل الأول فعقده لبيان شروط بيع التقسيط ، وانتظم في تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد كان حول الشروط العامة للبيع. بينما المباحث كان الأول منها في الشروط المتعلقة بأحد العاقدين،والثاني في الشروط المتعلقة بالعوض ،و الثالث في الشروط المتعلقة بالأجل .
وأما الفصل الثاني فخصصه لدراسة تأثر الثمن بالتقسيط ، وجاء في ثلاثة مباحث:
الأول حول زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع التقسيط ،والثاني في الحط من الثمن لقاء تعجيل أداء الأقساط ، والأخير حول ما يترتب على تأخير أداء الأقساط .
أما الفصل الثالث فخصصه لدراسة آثار بيع التقسيط ، وجاء في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: لزوم الأجل في بيع التقسيط،والثاني في انتقال ملكية المبيع للمشتري ،بينما كان الثالث حول المواعدة وأثرها في بيع التقسيط .
وأما التتمة ، فجعلها دراسة تطبيقية لبيع التقسيط من واقع شركتين من الشركات المتعاملة بهذا البيع.
وفي نهاية البحث ذكر خاتمة أوجز فيها ما توصل إليه من نتائج ،وهي كالتالي:
أولًا: بيع التقسيط هو ( عقد على مبيع حال ، بثمن مؤجل ، يؤدَى مفرقًا على أجزاء معلومة ، في أوقات معلومة ) وبين التقسيط والتأجيل علاقة عموم وخصوص مطلق ، فكل تقسيط تأجيل ، وقد يكون التأجيل تقسيطًا وقد لا يكون ، فالتأجيل هو الأعم مطلقًا .
ثانيًا:يشترط لبيع التقسيط - فوق الشروط العامة للبيع - جملة من الشروط . هي كالتالي:
الشرط الأول: أن لا يكون بيع التقسيط ذريعة إلى الربا . وأبرز الصور التي يتحقق فيها التذرع بالتقسيط إلى الربا: بيع العينة.
الشروط الثاني: أن يكون البائع مالكًا للسعلة . فلا يجوز أن يقدم البائع على بيع سلعة ليست مملوكة له ، على نية أنه إذا أتم العقد مع المشتري ، اشتراها وسلمها بعد ذلك .
أما طلب شراء السلعة من شخص ليست عنده ليقوم بتملكها ومن ثم بيعها على طالبها بربح ، فجائز إن كان المأمور يشتري لنفسه ويتملك ملكًا حقيقيًا ، ومن غير إلزام للآمر بتنفيذ ما وعد به من شراء السلعة.
الشرط الثالث: أن تكون السلعة مقبوضة للبائع .فلا يكفي تملك البائع للسلعة التي يرغب في بيعها بالتقسيط ، بل لا بد من قبض السلعة المراد بيعها بالتقسيط القبض المعتبر لمثلها قبل التصرف فيها بالبيع ، أيًا كانت تلك السلعة طعامًا أو غيره.