فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 1226

وإذا ما أردنا إذكاءَ مثل ذلكم النشاط الاقتصاديّ الصحيح فعلينا جميعًا أن لا نهمِلَ عنصرين مهمَّين في هذا الميدان الواسع، ألا وهما عنصرُ الزكاة وعنصر الوقف؛ إذ بهما يتحقَّق الدعم اللاَّمحدود لِتحقيق الأمن الاقتصاديّ والاجتماعي للأمة. يضاف إلى ذلكم ـ عِباد الله ـ الوعيُ التامّ في التعامل مع العولمة الاقتصاديّة، والتي أصبحت واقعًا يفرِض نفسَه على العالم أجمع؛ ما يؤكِّد التعاونَ الاقتصاديّ البنّاء بين الدول الإسلاميّة لزيادةِ التبادل التجاريّ بينها وإنشاء سوق إسلامية مشترَكَة تنافِس الأسواقَ الماليّة العالميّة؛ لأنَّ مستقبلَ المسلمين يجب أن يُصْنَع في بلادهم وعلى أرضهم بكدحِهم وأخلاقهم حتى لا يقَعوا فريسةً لأخلاق التسوُّل الفكريّ الاقتصاديّ بكل صنوفه في طاقاتهم ومقدَّراتهم؛ لأنَّ أيَّ أمّة تبنِي مستقبلَها على مثل ذلكم التسوُّل فهي أمة ضائِعة في تيهِ العقلِ الشحّاذ، فأنَّى لها حينئذ الاستقرار أو الظهور؟! هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15] .

هذا وَصَلُّوا ـ رحمكم الله ـ على خيرِ البريّة وأزكى البشريّة محمد بن عبد الله، فقد أمرَكم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكتِه المسبِّحة بقدسه، وأيَّهَ بكم أيها المؤمنون، فقال جلّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقال: (( من صلّى عليّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).

اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وَارْضَ اللّهمّ عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحابةِ نبيّك محمّد ...

(1) أخرجه أحمد (3/191) ، والبخاري في الأدب المفرد (479) ، وعبد بن حميد (1216) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه الضياء في المختارة (7/262-264) ، وهو في السلسلة الصحيحة (9) .

(2) مسند أحمد (2/42، 84) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو أيضا عند أبي داود في كتاب البيوع (3462) ، والروياني (1422) ، وأبي يعلى (5659) ، والطبراني في الكبير (10/432) ، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (3/19) ، وقواه ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود (9/245) ، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (11) .

خصائص ومقومات : الاقتصاد الإسلامي(1)

للشيخ محمد إبراهيم برناوي

مدرس بدار الحديث المدنية

الاقتصاد كما يبدو لنا في بعض معانيه أو جلّها:- هو الاعتدال الذي لا إفراط فيه ولا تفّريط، الاعتدال في الدخول والإنتاج، والمنصرفات، لضمان بقاء الحياة الاقتصادية في جو معتدل بعيدا عن التدهور والكساد ـ والاقتصاديون يحاولون حل المشاكل الجماعية والفردية وفق المنهج الاقتصادي العادل الذي لا ظلم فيه لأحد على حساب آخر.

والمتأمل في النظريات الاقتصادية السائدة ـ اليوم ـ يراها تقوم على أصل مضاعفة الإنتاج الذي يعتبره رجال الاجتماع والاقتصاد الحل الوحيد للمشكلات الاقتصادية، فهذا الحل في الواقع وجيه وسليم لولا ما في ذلك من إنكار ذات الفرد في المجتمع وإنكار ملكيته وتحديد الدخل القومي للمجتمع بأسره باسم القضاء على الطبقات لتحل محل ذلك المساواة -المزعومة-... كي تصبح السلطة في يد الدولة ـ الحاكمة ـ فيتجرع مرارة ذلك الحرمان الشعب المغلوب على أمره... وقد وضع الاقتصاديون لذلك خطة عنيفة تمشيا مع التفسير المادي للتاريخ الذي يرون فيه أنه نتيجة للصراع الطبقي على هذه البسيطة.

وأسلوب الخطة يتلخص عندهم فيما يأتي: ـ

1-التحليل المادي للتاريخ: فيزعمون أن التطور المادي في مكان ما هو وحده الذي يفرض نظام المجتمع الواجب الاتباعِ.

2-إنكار كيان الفرد، ومحاربة الحوافز الفردية ووجوب تغيير نظام المجتمع القائم على هذا الأساس...

3-حتمية الصراع الطبقي من أجل تغيير المجتمع، وإلغاء الملكية الفردية لجميع وسائل الإنتاج فيه.

4-إلغاء الدولة عندما يصبح الناس فيها اشتراكيين ويتضمن هذا القضاء على الطبقات- هذه أفكار المذاهب التجريبية عند الشيوعيين والاشتراكيين... وتلك هي الفلسفة المادية التي جعلت المجتمع الذي يرزح تحت سيطرتها طبقة واحدة من الفقراء والبؤساء، فلا هي تركت الفقير يعالج مشكلاته الاقتصادية على أساس من حرية الكدح والاكتساب المشروع لتنمية وتغطية احتياجاته الاقتصادية في هذا الصدد، ولا هي تركت الغني يعيش في مستواه الطبيعي ويستثمر مدخولاته لتنمية مورده الاقتصادي في هذا المجال.

الاقتصاد في نظام الاشتراكية:-

يؤسس الاقتصاديون النظام الاشتراكي على أساس التفسير المادي للتاريخ... فهم يفسرون الصراع الطبقي في الحياة بأنه نتيجة للحالة الاقتصادية لدى الأفراد والجماعات التي يحتاجها الإنسان، وضربوا لذلك مثلا بتأمين المأكل، والمشرب، والمسكن، والجنس... فإذا اشترك الناس جميعا في هذه الأمور فقد تمت المساواة بينهم، ولا محل للصراع والشقاء في نظرهم...

ومن ثم قرروا ما يلي:

1-إنكار كيان الفرد في المجتمع ومحاربة الحوافز فيه، ضرورة تغيير نظام المجتمع.

2-إلغاء الملكية الفردية لجميع وسائل الإنتاج.

ومعلوم أن إلغاء الملكيةَ الفرديةَ وهدم كيان الفرد وقتل الحوافز لدى الأفراد والجماعات يؤدي إلى تدهور الحالة الاقتصادية لديهم، حتى تصبح السلطة الرئيسية للدولة، وبالتالي تكون هي المسيطرة على الحالة الاقتصادية في البلاد بزعم المساواة في الطبقات وما ذهبوا إليه لحل المشاكل الاقتصادية التي اصطنعوها ويودون حلها بهذه الفكرة، إنما هي في الحقيقة عمل مضاد للمنهج الإلهي العادل وكذلك للسنن الكونية، والفطرة الإنسانية السليمة.

المنهج الإسلامي:

في الظروف الحرجة التي تضل فيها البشرية الطريق السوي لتنظيم حياتها وحلّ مشكلاتها في شتى نواحي الحياة، وحينما يعجز المفكرون عن وضع الحلول المناسبة لإنقاذ الإنسانية عامة، ويصلون بتجاربهم وفلسفاتهم ونظرياتهم المادية إلى طريق مسدود. يقف الإسلام دائما لإنقاذ البشرية من حمأة المادة وويلاتها، ويصف لها العلاج الناجع في هذا الصدد؛ لأنه المنهج الصالح لكل زمان ومكان، وهو بحق الكفيل بتنظيم حياة الإنسان خاصها وعامها في شتى النواحي الاقتصادية الفردية والجماعية، لأنه المنهج الرباني العادل الذي لا ظلم فيه ولا حيف، بعكس النظم الوضعية النفعية التي تظلم فريقا لتحقيق رغبات فريق آخر. وهذا مشاهد في الأنظمة الشيوعية والاشتراكية.

أما الإسلام فهو نظام مستقل إذ يقدر للعاملين نتيجة عملهم وكسبهم المشروع في الحياة، ويحقق مصلحة الفرد والجماعة، بل ويحثهم على السعي كما في قوله جل وعلا في سورة الجمعة {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} والشاهد في هذه الآية هو الانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله، وكذلك كما في قوله تعالى في سورة الملك {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} فالإسلام يحث المسلم على الكدح في ميادين الحياة الفسيحة. مع مراعاة الطهر والنزاهة، وعطاء إخوانه السائلين والمحرومين حقهم المعلوم، فتطيب نفوسهم وتنتزع منهم الأحقاد.

(1) - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (ج 22 / ص 489)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت