أما تحديد مقدار الكسب الحرام، كما تفعله بعض الهيئات الشرعية، من أجل دقة التخلص من الحرام فهو متعذر؛ لأمور، منها:
-أن جميع المجيزين يفترضون أن الشركة تودع وتأخذ فوائد، فيوجبون على المساهم إخراج ما يقابل نصيب الودائع من الأرباح.
فإذا كانت الشركة تقترض من البنوك لتمويل أعمالها، أو لإجراء توسعات رأسمالية ونحو ذلك، فما السبيل لتحديد ما يقابل هذه القروض من الأرباح؟
-أن أغلب المستثمرين يشترون الأسهم بقصد الحصول على الأرباح الرأسمالية، أي فرق السعر بين الشراء والبيع، ومن المتعذر في هذه الحالة تحديد مقدار الكسب الحرام، لاسيما وأن من العوامل المؤثرة على القيمة السوقية للسهم مدى قدرة الإدارة على الحصول على التسهيلات والقروض البنكية.
-إذا خسرت الشركة، فما هو نصيب الكسب الحرام من هذه الخسارة؟ إذا علمنا أن إيرادات الودائع والسندات ثابتة، فهذا يعني أن الخسارة على من يريد التخلص من الربا ستكون مضاعفة.
-ومن المعتاد أن الشركة تستثمر جزءًا من أموالها في شركات تابعة أو شركات زميلة أو في صناديق استثمارية بالأسهم أو السندات، وقد تكون تلك الأسهم لشركات ذات أنشطة محرمة أو ذات أنشطة مباحة وتتعامل بالفوائد، وهكذا تمتد السلسلة إلى ما لا نهاية، ويصبح تحديد الحرام في هذه السلسلة من الشركات أشبه بالمستحيل.
وأيضًا لو فرضنا أنه يمكن التخلص من الأرباح المحرمة الربوية، فهو تخلص من الأكل للربا، لكن هذا المساهم قد شارك في دفع الربا للممولين للشركة، فهو وإن لم يأكله فقد آكله، والنبي صلى الله عليه وسلم حرم الأمرين فهو لعن آكل الربا ومؤكله. أخرجه مسلم (1597) .
الترجيح:
من خلال استعراض بعض أدلة القولين يتبين ما يلي:
أن القول الأول يتوجه القول به بالشروط التالية:
-إذا لم توجد شركة مساهمة لا تتعامل بالربا إيداعًا واقتراضًا، حيث كانت جميع شركات السوق مما يتعامل بالربا.
-وهذا الشرط منتف في هذا العصر حيث أثبتت دراسة أجريتها نشرها الموقع، أنه توجد شركات مساهمة معاملاتها حلال بالكامل، ومما يؤيد هذا الشرط أن الهيئة الشرعية للراجحي ذكرت في قرارها رقم (485) : ( إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك .
-إذا كان نظام الدولة يجبر الشركات أن تودع جزءًا من أموالها في البنوك الربوية ويجبرهم أيضًا بأن تدخل الفوائد ضمن أرباح المساهمين.
وهذا الشرط حسب علمي غير موجود في هذا العصر، لانتشار البنوك الإسلامية، ومن ثم انتشار المعاملات الإسلامية المصرفية.
-ألَّا تجد الشركة بدًّا من إتمام عملياتها إلا عن طريق الاقتراض بالربا.
وهذا الشرط منتف في هذا العصر؛ إذ وجدت بنوك إسلامية تمول الشركات بالطرق المباحة: كالمرابحة، وعقود الاستصناع، والسلم، والمشاركة المنتهية بالتمليك، والإجارة المنتهية بالتمليك، وغير ذلك مما جاءت شريعتنا بإباحته.
-ثم إن المتأمل في القول الأول يجد: أن القول به كان في فترة فشا فيها الربا، والبنوك الإسلامية لم تقم على ساقيها، أما في هذه المرحلة فالأمر عكس ذلك، فنحمد الله عز وجل أن انتشرت هذه البنوك الإسلامية في أنحاء الأرض، فأيهما أسهل بالله عليكم تحويل بنك ربوي إلى بنك إسلامي أم تحويل شركة تتعامل بالربا إلى شركة خالية من ذلك؟ لاشك أنه الثاني.
فالذي يظهر لي رجحان القول الثاني ، وهو حرمة المساهمة في الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحًا، وتتعامل بالفوائد أو بغيرها من المعاملات المحرمة، لعموم الأدلة الشرعية في تحريم الربا قليله وكثيرة ، فلم تستثن تلك الأدلة ما كان تابعًا أو مغمورًا أو يسيرًا.
وبالتالي يحرم المتاجرة والاستثمار بهذه الأسهم من هذا النوع من الشركات.
وأما الأسهم التي عندك من التأسيس فما استلمته من أرباح سابقة، وهي أرباح ربوية وأنت لا تعلم عنها فلا بأس عليك فيها، ويجب عليك التخلص من هذه الأسهم وبيعها. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بسم الله الرحمن الرحيم
(حدَّثتني إحدى الصالحات أنَّ ثلاث فتيات في مدرستها اتفقن على قيام الليل ـ ولكن من نوع آخرـ إنَّ برنامج ستار أكاديمي قد خلب لبَّهم ، وسحر فكرهم ، ولأجل ذا فقد تواعدن على أن يقسِّمن الليل إلى ثلاثة أثلاث كلُّ واحدة منهن تنظر في هذا البرنامج وتقوم بتسجيله ، ثمَّ تتصل على زميلتها بعد أن تنتهي ورديتها في ملازمة التسجيل لهذا البرنامج وتقوم الثانية بهذا الدور، وهكذا العمل مع الزميلة الثالثة إلى أن ينتهي البرنامج)
بهذا المنطق يتفاعل الكثير من الشباب والفتيات المنتسبين للإسلام حين يريدوا مشاهدة هذه البرامج الهابطة، والتي بثَّت أخيرًا عبر الفضائيات، وجعلت لدى الشباب نوعًا من الهوس لإعجابهم بهذه البرامج المباشرة ، وكأنَّها مغناطيس يجذبهم بقوَّة وقهر، وليس لهم إلَّا تلبية رغبات النفس، وخطرات الروح.
أما آن للمصلحين أن يفيقوا من نومهم العميق، لإنقاذ شبابنا وفتياتنا من مأساة فكرية وشهوانية تعصف بهم ذات اليمين وذات الشمال ، وقد جعلتهم يتطايرون على الشَّاشات كالفراش وهم لا يشعرون!!
ودعونا أيها الفضلاء أن نراجع أنفسنا ، وننقد ذاتنا !فجزى الله علمائنا خيرًا حين أفتوا بتحريم هذه البرامج ، وبينوا بلا لبس أو غموض حكم مشاهدتها ، والنظر إليها ، فقد أثَّرت تلك الفتاوى في البعض وأقلعوا عن مشاهدتها ـ ولله الحمد والمنَّة ـ
ولكن هل نكتفي بهذا، ومازال الكمُّ الهائل من شباب الأمَّة يشاهدون ويصفِّقون ، ويحلمون في منامهم ويقظتهم في ذكريات البرنامج الشبابي!
ألا يوجد لدينا حلولٌ وافرة ، وأكفٌ رفيقة ليِّنة تحتضن الشباب والفتيات في برامج إسلامية مشوقة ، ومشاريع تربوية وترفيهية ، وبدائل عن تلك المُثُلِ منضبطة بميزان الشريعة؟
أين أصحاب الحلول المنتجة ، أين أهل الثراء والمال والغنى ، أين أصحاب الأفكار الإبداعية ، والمشاريع الابتكارية؟
أين هم من الذي يحاك لشباب هذه الأمَّة ، ويخاط لهم وينسج في مواخير الفساد ، وأندية الظلام، والكواليس الخفية لتعليمهم دروسًا في العربدة والشهوات؟
ترى لو أنَّ جيشًا عرمرمًا أحاط ببلدة من بلاد الإسلام ، وأثخن فيها وأكثر من القتل والتعذيب لأبناء الإسلام ، ثمَّ خرج علينا رجل يبيِّن خبث هذا العدو ومكره، وحذَّر المسلمين من استقباله أو احتضانه... ثمَّ وقف إلى هذا الحد، واكتفى بهذا القدر.
هل سيؤدِّي هذا إلى دحر العدو وإنقاذ النَّاس؟ أم أنَّ هناك لوازم ينبغي إضافتها على ذلك الحدث!!
وبعد:
فإنَّ المراقب لهذه الأوضاع ، وتلك الأحداث ، ينبغي عليه أن يعرف أنَّ من أسباب وجوده في هذه الأرض دعوة الناس لدين ربِّ العالمين ، وتقريبه إلى قلوبهم،فليست كلًّ الدعوة بالمحاضرات ولا بالخطب، وليست كلُّها بالدروس أو الفتاوى فحسب ، بل لا بد من استخدام جميع الوسائل المشروعة والمتاحة فالدعوة إلى الله لا تحدُّ بحدود ، ولا تقيد بقيود.