فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 1226

"ومما لا شك فيه أن السنوات العشرين الأخيرة شهدت تحولات ضخمة على الصعيد العالمي كله نتيجة لهذا النظام فأصبحت المؤسسات متعددة الجنسية المائة الكبرى في العالم تتحكم بـ 20% من إجمالي أموال العالم كما أن 51% من أكبر قوة اقتصادية تسيطر عليها مؤسسات كبرى بينما لا تسيطر الحكومات سوى على الـ49% الباقية فقط ويبدو في الإطار نفسه من المقارنة بأن مبيعات شركات (جنرال موتورز) و (فورد) مثلًا تفوق الناتج القومي الإجمالي لجميع دول جنوب الصحراء في القارة الأفريقية، وتتجاوز ممتلكات شركات (آي.بي.ام) و (بي.بي) و (جنرال الكتريك) الإمكانيات الاقتصادية التي تمتلكها معظم البلدان الصغيرة في العالم، كذلك فإن دخل بعض محلات (السوبرماركت) الأمريكية قد يزيد على دخل معظم دول وسط أوروبا وشرقها! بما فيها بولندا، والمجر ورومانيا ... إلخ."

وللوصول إلى هذه المراحل دخلت المؤسسات الضخمة في شراكات مريبة من أجل تعزيز نفوذها المالي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي التحكم في كل ما يحتاجه الإنسان العادي حتى في أبسط حاجات حياته اليومية.

وهذا يسميه بعضهم بـ (الاستملاك الصامت) ، أو قل بعبارة أدق (الاستعباد الصامت) حيث أصبحت الحكومات مغلولة الأيدي، والناس مقيدين بشروط تفرضها المؤسسات الكبرى التي تحدد قواعد اللعبة حسب مصالحها الذاتية والتي لا تملك الحكومات سوى تنفيذها، فهذه الحكومات غدت ترى أن من واجبها الأول تهيئة الظروف المواتية لازدهار المؤسسات المعنية وتوفير البنى الأساسية التي يحتاجها رجال الأعمال بأرخص التكلفة وحماية نظام التجارة الحرة في العالم.

وهذا ما سيضطر حكومات الدول النامية في نهاية المطاف للانصياع الكامل لشروط (اللوبي) الدولي" (2) ، وهو ما أدى إلى ظهور تيارات احتجاجية قوية كالتي أشرنا إليها سابقًا، لايربطها شيء ولا تجري في إطار حدود جغرافية معينة، فالمنادون بها لا تربطهم صلات ثقافية أو تاريخية مشتركة، فهم جماعات وجمعيات أهلية متنوعة يجمعها هدف واحد محوره استعادة الشعوب لحقها في الاختيار وفي تقرير مصيرها، وكلها يحذر من مغبة المضي في هذا الطريق الوعر الذي سيكون من نتيجته تكرار الكوارث الاقتصادية والاجتماعية في كافة أنحاء العالم."

ومن بعض ثمار هذا النظام دخول أكثر من 75 دولة القرن الحادي والعشرين، وهي خاضعةٌ كليًا أو جزئيًا، لمشيئة البنك الدولي، مستسلمةً لإرادته، منفذةً لسياسته، وذلك تجنبًا لإعلان عجزها وإفلاسها. وبموجب ذلك تلتزم هذه الدول بتوجيه اقتصادياتها نحو عدم النموّ، ونحو تخفيض الإنفاق، ونحو وقف الدعم لبعض المواد الاستهلاكية التي تقدمها لمساعدة شعوبها الفقيرة.

فلا عجب إن أثبتت دراسات الأمم المتحدة أن 12 مليون طفل تحت سن الخامسة، يموتون سنويًا نتيجة أمراض قابلة للشفاء. وهذا يعني أن كل يوم يموت 33 ألف طفل لأسباب يمكن تجنبها بما فيها سوء التغذية، وتشمل هذه الدراسة أطفالًا من العالم الإسلامي من بنغلاديش حتى موريتانيا، فحكوماتها تحت وطئة تضخم ديونها لا تستطيع توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية والوقائية.

ومن ثمار ذلك أيضًا أن ثلث سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر، بينما تمتلك بعض المؤسسات والشركات ما لا تمتلكه دول مجتمعة!

وأخيرًا وهو من الأهمية بمكان، النظام العالمي الاقتصادي نظام لا يخضع لأي تشريع إلهي، فما قضى به الرأسماليون هو التشريع الماضي سواءً خالف الوحي المنزل أو وافقه، فالدراسات الاقتصادية أو التجارية والإحصائية والاجتماعية والتي تمثل مصالح القطاع المالك هي التي تحكم، وليست النصوص والقوانين الإلهية المقدسة.

ولا شك أن نظام الإسلام هو النظام الجدير بأن يكون النظام العالمي البناء، والذي تعود مصلحته على جميع الشعوب سواءً أكانوا ضمن القطاع المالك المنتج، أو المستهلك المستخدم، وما يطلب من بني الإسلام ورواده، وخاصة أهل التخصص الاقتصادي والسياسي والإداري هو العمل على إيجاد آليات فعاله وأجهزة ومؤسسات تنفيذية، تتبناه وتبني اقتصاد دولها عليه، ومن ثم تبين محاسنه وتدعو الآخرين إليه، وعندها لن تستطيع الدكتاتوريات الوقوف أمامه إذا أقنعت الأمم به وتحولت الشعوب إليه، ووجدت فيه بديلًا لتلك المؤسسات الضخمة التي تحكمت في كل صغيرة وكبيرة من حياتها وكادت أن تملكها.

1 صحيح البخاري 1/435، وصحيح مسلم 3/1251.

2 مستفاد من مقال يتحدث عن كتاب المديرة المساعدة لمركز الأعمال الدولية والإدارة التابع لجامعة كمبردج، وهو بعنوان الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية، الاستملاك الصامت، وقد نشر في جريدة البيان الإماراتية بتاريخ 25/1/1423.

تمهيد:

من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، مبدأ التوجيه الإداري للنشاط الاقتصادي ، وهذا المبدأ مؤسس في أصوله على نظرية التوازن الاجتماعي التي يعتمدها الإسلام أسلوبا وهدفا لتحقيق العدالة الاجتماعية. وبمقتضى هذا النظر يخضع النشاط الاقتصادي في حركته وتوجهه لإرادة الدولة بوصفها الممثل الشرعي للمجتمع غير أن هذا الخضوع مقيد بتحقيق الغاية الكبرى التي يستهدفها الإسلام وهي العدالة الاجتماعية من خلال فكرة التوازن الاجتماعي .

ومتي كانت العدالة الاجتماعية هي الغاية الكبرى التي يسعى الإسلام إلى تحقيقها فإن كل الأساليب والوسائل التي من شأنها إدراك هذه الغاية تعتبر من قبيل إدراك المصلحة العامة التي يجب على ولي الأمر أو من يمثله العمل على تحقيقها وقد منحت الشريعة الإسلامية لولي الأمر سلطات تقديرية واسعة لتمكينه من إدراك العدالة الاجتماعية على الوجه الذي رسمه الشارع.

وتنقسم السلطات إلى نوعين:

سلطات غير مباشرة تنظيمية ورقابية ، تبيح لولي الأمر التدخل في الحياة الاقتصادية.

سلطات مباشرة إنتاجية وتوجيهية ترمي إلى القيام بمهام الإنتاج في بعض الفروع الإنتاجية ، وتوجيه الإنتاج في فروع إنتاجية أخرى بالصورة التي تتفق ومصلحة المجتمع .

أولا: التدخل غير المباشر للدولة:

مظاهر التدخل غير المباشر عديدة ومتنوعة منها ما هو تنظيمي ورقابي ومن ذلك ما يلي .

تدخل الدولة لتنظيم العمل ومراقبة ومنع الوسطاء الذين يستمدون كسبهم من جهل الجمهور لثمن السلعة فيحققون أرباحا غير مبررة من فروق الأسعار. ويبدو تدخل الدولة أيضا في منع الاحتكار وتسعيرة السلع التي تقوم حاجة جمهور الناس لها ، . وقد تقتضي المصلحة العامة إزالة ملكية عقار أو منقول أو إكراه صاحبه على تقديمه للاستثمار.

وأجهزة التدخل في هذه الميادين التنظيمية والرقابية هي ولاية الحسبة، ولها موظفون يتولون أمرها في كل قطر إسلامي والقضاء الذي له التدخل في العديد من الميادين السابقة وفي حدود اختصاصه

النوع الثاني من التدخل غير المباشر فتبدو أهم مظاهره في السياسة المالية للدولة الإسلامية . والحق أن مالية الدولة الإسلامية احتلت موضعا رئيسيا من الاقتصاد الإسلامي ، وظلت إلى زمن بعيد محركا لهذا الاقتصاد ومصدرا لقوته . فقد شرع الإسلام في تنظيم مالية الدولة أسسا ومبادئ تجاوزت أحدث النظم الوضعية في الجباية والإنفاق إذ اعتمد مبدأ تعدد الضريبة ، ففرض الزكاة كضريبة مستقلة تتناول الأموال جميعا النقدية منها والعينية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت