فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 1226

الأول: ينبغي ألا يُخلط بين هذه المسألة - أعني شراء أسهم شركة الاتصالات و ما ماثلها - و بين معاملة من اختلط في ماله الحلال و الحرام فهذه مسألة أخرى فمعاملة من أختلط في ماله الحلال و الحرام تعني شراء سلعة منه أو استئجارها أو الاقتراض الحسن منه أو الأكل عنده أو الاستعارة منه أو قبول هديته و نحو ذلك فهذا كله جائز ما لم يعلم أن الشيء المقدم في المعاملة حرام بعينه .

لكن لا يجوز الاشتراك معه في أعمال محرمة و يمكن التمثيل لمن اختلط الحلال و الحرام بماله بشركة الاتصالات نفسها بالنسبة لمريد خدمة الهاتف أو الجوال أو نحوهما من خدمات الشركة التي تقدمها للناس ما لم يعلم أنها محرمة فهذه الخدمات يجوز شراؤها و استئجارها و نحو ذلك .

لكن لا يجوز الدخول مع الشركة في معاملاتها المحرمة و كل من ملك من أسهمها فقد شارك في معاملاتها المحرمة .

الثاني: قلة المداخيل المحرمة لشركة الاتصالات أو كثرتها لا يغير من الحكم شيئًا فالحرام حرام قلّ أو كثر قال صلى الله عليه و سلم: ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) رواه الإمام أحمد و صححه الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، و لكن كلما كثر الحرام كان الإثم أعظم .

علمًا أن عوائد الشركة من المعاملات المحرمة ليست قليلة كما يعلم من موقعها على الإنترنت و قد بلغت عوائد الربا في القروض طويلة الأجل للسنتين 2000م و 2001م أكثر من ( 1400 ميلون ريال ) !! فإذا كانت هذه هي العوائد فكم كانت القروض المستثمرة في هذا المجال الخبيث ؟!!

الثالث: ينبغي إذا أُريد معرفة نسبة ما يقسم على المساهمين من العوائد المحرمة إلى غيرها أن ينظر إليها بالنسبة إلى أرباح الشركة لا إلى أصولها العامة فالأرباح هي التي توزع على المساهمين لا الأصول .

الرابع: القول بأن المساهم في الشركة إذا أخرج نسبة معينة تبرأ ذمته و يتخلص من الأثم قول فيه نظر من وجوه:

( أولًا ) : أن مجرد الإقدام على إبرام العقد المحرم كالربا أو القمار أمر محرم و لو نوى أن يتركه و قد لعن النبي صلى الله عليه و سلم"آكل الربا"و"موكله"و"كاتبه"و"شاهديه"و قال ( هم سواء ) رواه مسلم .

فانظر كيف لعن النبي صلى الله عليه و سلم الشاهدين و جعلهما مساويين لآكل الربا مع أنهما قد لا يحصلان على درهم واحد و ذلك و الله أعلم بسبب الرضا بهذا العقد الخبيث و الإعانة على وقوعه و إتمامه .

( ثانيًا ) : أن أخذ الفوائد الربوية من أصحابها أخذ لها بالباطل ، و لو كان ذلك بموافقتهم ، و الإقدام على أخذ المال بالباطل أمر محرم و لو نوى التخلص منه و قد ذم الله تعالى اليهود على أخذهم الربا و أكلهم أموال الناس بالباطل قال تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) و أخذهم الربا أعم من أكله .

( ثالثًا ) : لا ينبغي للمسلم أن يقدم على العقود المحرمة ثم يقول سأتخلص منها ولو قيل بهذا لانفتح على المسلمين باب من الشر عظيم و قاعدة سد الذرائع الثابتة في الشريعة توجب سد مثل هذا الباب .

( رابعًا ) : قال الله تعالى في آيات الصيام بعد أن ذكر بعض المنهيات ( تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) فأمر تعالى عباده المسلمين باجتناب الحرام و عدم الاقتراب منه لأن الإنسان لا يدري إذا وقع في الحرام أيتلخص و يتوب أم لا ، و ربما ينفتح له باب التأويل الذي قال عنه الإمام أحمد: أكثر خطأ الناس من جهة التأويل و القياس .

و ربما مات ، و ورثها من لا يقيم وزنًا للحلال و الحرام و قد قال صلى الله عليه و سلم ( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ؛ أمن حلال أم من حرام ) رواه البخاري في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

( خامسًا ) : أن الذي يوصف له طريق الخلاص بإخراج نسبة معينه هو التائب النادم أو من دخل عليه الحرام دون علمه و من المعلوم أن من شروط التوبة الإقلاع فورًا عن الذنب و العزم على أن لا يعود و هذان مفقودان فيمن يدخل هذه الشركة و أمثالها عالمًا عامدًا مختارًا و لو مع نية التخلص من الحرام .

التنبيه الخامس: قد يسأل بعض من اشترى من أسهم هذه الشركة و أمثالها ( ماذا يصنع ؟ )

و الذي يظهر و الله تعالى أعلم أن عليه أن يبيعها على أصحابها من المؤسسين و أعضاء الإدارة برأس ماله الذي اشترى به فقط ، لقوله تعالى ( و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون ) فإن تعذر البيع فيجب عليه التحري الشديد في إخراج قدر ما يدخل عليه من الحرام بنيه التخلص لا بنية التقرب إلى الله تعالى فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم في حدي أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه .

و للجنة الدائمة فتوى في كيفية التخلص من الأسهم المحرمة في الجزء ( 13 ) صـ508 من فتاوى اللجنة .

و الله تعالى أعلم و هو سبحانه ولي التوفيق .

و صلى الله و سلم على عبده و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم .

كتبه / بشر بن فهد البشر .

ماذا لو قيل لك : هذا النّاكح أمه ؟!

يستعظم كثير من الناس أمورًا عظيمة ، ويستشنع آخرون أشياء شنيعة .

فلو قيل لبعض الناس: فلان نكَحَ أمه

لاستشنعوا ذلك واستعظموه ، وهو كذلك .

لكن لو قيل لهم: إن فلانًا يتعامل بالربا

لما تعاظموا ذلك ، ولربما أصبح المرابي جليسهم وأنيسهم .

ولا مانع عندهم من تزويجه

والتعامل بالربا أعظم من أن ينكح الرجل أمه .

والمرابي أشد مما لو وقع الشخص على أمّه

قال عليه الصلاة والسلام: أهون الربا كالذي ينكح أمه ، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه . صحيح الجامع الصغير للألباني

وقال عليه الصلاة والسلام: الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه . صحيح الجامع الصغير للألباني .

وقال عليه الصلاة والسلام: درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية . رواه الإمام أحمد وغيره ، وصححه الألباني .

فإذا كان هذا أهون الربا

وإذا كان هذا في درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم

فما بالكم بأعظم الربا ؟

وما ظنكم بمن يأكل الآلاف بل يتجرّع ملايين الدراهم والدنانير من ربا صريح ؟

لا شك أن هذا أعظم وأشنع

غير أن كثرة المساس تُذهب الإحساس

فلما تعامل به الناس ، واستمرءوه خف ذلك في موازينهم .

كما أن هذا أهون الربا ... والربا وأربى وأعظم الربا استطالة المرء في عرض أخيه ... إما بقذفٍ وهو أعظم الاستطالة ، وإما باالغيبة والنميمة ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا . متفق عليه .

فهذا يُبيّن عِظَم حُرمة هذه الأشياء ، وأنها كحرمة يوم النحر في بلد الله الحرام مكة المكرمة في شهرٍ محرم ، وهو شهر ذي الحجة .

ولو قيل لبعض الناس: فلان فعل بأمه الفاحشة أو وقع على محارمه

لاستعظموا ذلك ، وهو ورب الكعبة عظيم شنيع .

لكن لو قيل لهم:

فلان يذهب للسحرة ...

أو فلان يتعلّم السحر ...

أو فلانة ذهبت للساحرة لتُحبّب زوجها إليها ...

أو فلان يطوف بالقبور ويدعو الأموات ...

أو فلان يقع في الشرك ، ولديه شركيات ...

لما كان ذلك مستعظما !!

ولا شك أن المعصية والكبيرة مهما عظمت فإنها لا تبلغ حدّ الشرك ما لم يستحلّها فاعلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت