وقد أشار إلى هذا المحذور وما يؤدي إليه من كساد,الشيخ أبوحامد الغزالي في إحياء علوم الدين (4/45) حيث قال:"إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب ؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة الربا من تحصيل درهم زائد نقدًا أو آجلًا خف عليه اكتساب المعيشة,فلا يكد ويتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات,والحرف, والصناعة, والإعمار"أهـ
وبنظرة خاطفة إلى واقعنا منذ أربعة أشهر أو أكثر، نجد أن أموالنا أصبحت تصب في فوهة السوق حين غلت القيمة السوقية لبعض الشركات غلاء غير مسبوق, واقتصرت المضاربة على فروق الأسعار بعيدًا عن الواقع الاقتصادي للشركات المساهمة، فأصبحت السلع هي النقود في الحقيقة,حتى ظهرت مقدمات الكساد في سوق العقارات, والسيارات ,...الخ، ولمس كثير من الناس ارتفاع قيمة إيجار الدور والمنازل ؛ لقلة المعروض, وأصبح هذا حديث الناس، كل هذا في فترة زمنية محدودة ! فما الظن لو استمر الحال سنة أو أكثر !!
ثم ألا يكفي هذا حافزًا- على الأقل-لإعادة النظر في حكم اتخاذ النقود سلعًا, وما تفضي إليه هذه المعاملات من مفاسد وأخطار على الفرد والمجتمع ؟ أم نحتاج إلى جنائز ومرضى ومفلسين أكثر عددًا، حتى تتحقق لدينا القناعة بذلك ؟!!
د. يوسف بن أحمد القاسم 25/3/1427
لا يخفى أن من أبرز سمات الرأسمالية الغربية أنها تزيد الغني غنى، وتزيد الفقير فقرًا . والسؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما الفرق بين الربا الذي تمارسه البنوك الغربية والشرقية, والذي يجعل العميل مدينًا حيًا وميتًا، فيولد وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين !! ما الفرق بين ذلك الربا الجاهلي والمعاصر، وبين هذا الربا المقنن الذي تجريه بعض البنوك والمصارف باسم: (التورق المنظم) ؟! وما الفرق بين المواطن الذي ابتزه الغني أو البنك بالربا، وبين هذا المواطن الذي ابتزه المصرف أو البنك بالتورق المصرفي السيء الصيت، حتى ركبته الديون وورثها صاغرًا عن صاغر ؟!!
في الواقع أن الفرق بينهما كالفرق بين من يلغ في الحرام باسم الزنا، وبين من يقنن الزنا ويلغ فيه باسم المتعة !! ولا فرق، بل هذا الأخير أشد حرمة من الأول ؛ لأنه استحل محارم الله بأدنى الحيل، وهي من أبرز صفات اليهود الذين حين حرمت عليهم الشحوم، أذابوها، ثم باعوها، فأكلوا ثمنها ! وحين حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت عمدوا إلى البحر فحفروا حوله الحياض، وشرّعوا منه إليها الأنهار، ثم فتحوا تلك الأنهار عشية الجمعة، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلم تقدر على الخروج لبعد عمق الحياض وقلة مائها، فلما جاء يوم الأحد أخذوها، فأنكر الله ذلك عليهم بقوله: ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) .
وهكذا الحال فيمن أكل الربا وأموال الناس بالباطل على سبيل المكر والخديعة والاحتيال، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من ارتكاب الحيل، فقال: ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) . وهذا بخلاف من وقع في الذنب وهو مقر بخطيئته، فقد اقترن بمعصيته اعترافه بالخطيئة، وبأنه مذنب عاص، مع انكسار قلبه من ذل المعصية، وازدرائه على نفسه، ورجائه لمغفرة ربه، وعد نفسه من المذنبين، فلعل ما يقوم بنفسه من هذه المعاني يفضي به إلى الخير، والإقلاع عن هذه المعصية .
وهنا يرد تساؤل عن التورق المنظم، ما هو ؟ وما موقف العلماء منه قديمًا وحديثًا ؟ وما أثر هذه المعاملة وأشباهها على اقتصادنا المعاصر ؟
والجواب: أن التورق المنظم، هو: أن يتولى المصرف البنك أو المصرف ترتيب الحصول على النقد للمتورق، بأن يبيعه سلعة بأجل، ثم يبيعها نيابة عنه نقدًا ويقبض الثمن من المشتري، ثم يسلمه للمتورق . ثم إن البنك أو المصرف قد يكون مالكًا للسلعة ابتداء، وقد لا يكون مالكًا لها، فيسبقه مرابحة للآمر بالشراء . وبالنظر إلى واقع هذه المعاملة، نجد أنها غالبًا ما تكون من العقود الصورية لا الحقيقية، حيث يقصد من ورائها دفع النقد لتحصيل نقد أكثر منه مؤجلًا، وأنها كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ( دراهم بدراهم بينهما حريرة !! ) وهذا التورق المنظم ليس من العقود الحديثة، كما يظن البعض، بل جاء عن السلف بعض الآثار الدالة على وقوعه والنهي عنه، كما في مصنف عبدالرزاق ( 8/294) وابن أبي شيبة (7/275) . ولأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم، لذا فقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في أواخر سنة (1424هـ) بتحريم التورق المنظم، وأنه يأخذ حكم العينة الثنائية . وقد أفتى بموجب هذا القرار جمع كبير من علمائنا المعاصرين، بل ومن خبرائنا في مجال الإقتصاد الإسلامي، وصرحوا بأن هذا النوع من العقود قد نتج عنه تراجع للأهداف الحقيقية التي لأجلها أنشئت المصارف الإسلامية، وعلى رأس قائمتها دعم التنمية، والإسهام في النشاط الحقيقي للإقتصاد في البلد، وذلك من خلال المشاركة,والاستصناع ,والإجارة, ونحوها من العقود التنموية الحقيقية، حتى تم اختزال ذلك كله في بيع النقد بالنقد باسم التورق، تحقيقًا للأرباح بأقل وقت ممكن، ودون مخاطرة أو مشقة، ولو كان ذلك على حساب ديننا, وأخلاقنا, واقتصادنا !! حتى أصبح المال دولة بين الأغنياء منا، ولذا أصبحوا يمارسون الرأسمالية في بلادنا بأبشع صورها
المضاربة بالأسهم: متاجرة، أم مقامرة؟
د. يوسف بن أحمد القاسم (*) 13/2/1427
حدثني من أثق به: أن مساهمًا في إحدى الشركات المتردية أو النطيحة، قد بلغه خبر مفاجئ لم يصدقه من أول وهلة، وهو أن الشركة التي ساهم فيها منذ سنين بطريق (الخطأ!!) قد أفاقت من سباتها، وسادت بين الشركات بعد ترديها في ظلمات ثلاث، فارتفع مؤشر قيمتها السوقية ـ بين عشية وضحاها ـ من (150) ريالًا إلى (2600) ريال، ودون سابق إنذار!! وكأن دعوة صالحة في آخر الليل قد وافقت ساعة استجابة، فانتشلتها من بين الركام، ومن الحضيض إلى القمة، فما كان من أخينا المساهم الذي لم يسدد باقي القيمة الاسمية لأسهمه ـ لعدم قناعته المسبقة بجدواها الربحي ـ لم يكن منه إلا أن امتطى سيارته، متجهًا إلى المقر العام لتلك الشركة، وحين وصل إلى المقر كانت المفاجأة الأخرى، وهي أن هذه الشركة المجدولة في قائمة الشركات المتداولة لا يديرها إلا موظف واحد، من جنسية عربية، ومن قارة أفريقية، وهذا وحده هو المدير، وهو المسؤول، وهو موظف الصادر والوارد...الخ.
وحين سأله أخونا عن باقي الموظفين، أفاده الموظف المسؤول بأن الباقي هم أعضاء مجلس الإدارة، الذين يجتمعون مرة ـ أو أكثر ـ في كل عام!
وأما واقع نشاطها، فحدث ولا حرج، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه!
سدَّد المساهم باقي القيمة الاسمية لأسهمه، ثم قفل راجعًا، وهو عاجز عن حل هذه المعادلة؛ إذ كيف تبلغ القيمة السوقية لأسهم هذه الشركة أكثر من ألفي ريال، وهي بهذه الحال من الضعف والخور، وقلة ذات اليد.!! فما كان جوابه لنفسه إلا أن قال: ربما كان بفعل خارج عن العادة وقانون الطبيعة، كعصا موسى الذي انقلب إلى حية، أو كالحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينًا.