وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" [رواه ابن بطة بإسناد جيد] . فهذا نصٌ صريح أن التحايل على المحرمات استحلالٌ لها.
ويدل على ذلك أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"ليشربنّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" [رواه مسلم] . وذكر في الحديث الآخر:"ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف"ثم قال:"فَيُبَيّيتَهم الله ويضع العلَم ويمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة" [رواه بهذا اللفظ ابن ماجه بإسناد حسن] . فدل مجموع الحديثين على أن استحلال الخمر كان بتسميتها إياها بغير اسمها، وهذا من التحايل بلا ريب، كما يقول شيخ الإسلام [بيان الدليل في إبطال التحليل: ص63] .
فهذا يدل أيضًا على أن التحايل على المحرمات تعجل عقوبته في الدنيا، وأنه أشد وأسوأ من الوقوع في المحرم بلا تحايل. ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله:"يتلاعبون بالله تلاعب الصبيان. لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي".
فإذا كان الربا سببًا للحرب على الله ورسوله، فما ظنك بالتحايل عليه، أليس أولى بالحرب والنكال المعجل في الدنيا قبل الآخرة؟
واليوم نشاهد ملء السمع والبصر تعاملات ألبست لباس الشرعية وأخرجت في صورة البيوع الجائزة، وهي في حقيقتها نقود حاضرة بنقود مؤجلة في الذمة أكثر منها. فهي في الصورة بيع وفي الحقيقة ربا النسيئة المحرم بالنص والإجماع. بل بلغ الأمر إلى حد الاحتيال على أسوأ أنواع الربا، وهو ربا الجاهلية، الذي نتيجته زيادة الدين مقابل تأخير الوفاء، أو"أنظرني أزدك."فلم يقتصر التحايل على الفائدة البسيطة، بل تجاوزه إلى الفائدة المركبة، التي تمنعها كثير من الأنظمة الوضعية ابتداء، ولا تقبل التحايل عليها بشكل من الأشكال، حتى قال بعض الغربيين:"إن المسلمين يتحايلون على دينهم بما لا يمكن أن نحتال به على قضاتنا."فإذا بلغ بنا الأمر إلى هذا المستوى، فما ظننا بالله؟ أننتظر من الله النصر والتأييد؟ أم نتخوف العقوبة والنكال والحرب في الدنيا قبل الآخرة؟
إن الله تعالى ليس بحاجة لنا حتى نقبل عليه بهذه الحيل والتلفيقات، ودين الله تعالى أعز من أن نتلاعب بأحكامه وشرائعه تلاعب الصبيان. فإذا أردنا لبلادنا السلم والأمن والرخاء، فلننبذ الخداع جانبًا، ولنرجع إلى الله رجعة صادقة.
والله تعالى لا يسلط على قوم الخوف بعد الأمن، والهزيمة بعد النصر، إلا بذنوبهم. وليس بعد الأنبياء أكرم على الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لما أصيبوا يوم أحُد تساءلوا: من أين جاءت الهزيمة؟ فرد الله عليهم بقوله: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) . فالعلاج يبدأ من عندنا وأسبابه بأيدينا، فإن فرّطنا فلا نلومنّ إلا أنفسنا
النقود: أثمان أم سلع؟
د. يوسف بن أحمد القاسم 26/3/1427
قبل أكثر من ستة قرون، صرخ أحد علماء القرن الثامن الهجري صرخة اهتز لها جبل قاسيون بالشام، ووجد لها صدى في أنحائه، إلا أنها لم تجد لها صدى في بني قومه، فوقع ما لم يكن بالحسبان، وحل ما حذر منه عالم ذلك الزمان، ثم هاهو التاريخ يعيد نفسه، فحل بنا ما حل بهم !! فمن هو يا ترى ذلك الإمام ؟
وما هي تلك الصرخة التي اهتز لها قلمه، وعبر عنها بنانه ؟
وما هي نتيجة تجاهل تلك الصرخة ؟
وكيف أعاد التاريخ نفسه ؟
أما الإمام، فهو: العلامة ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) وأما الصرخة، فهي: إنكاره على بني قومه اتخاذهم النقود سلعًا، يتاجرون بها، ويعدونها للربح، فكانت النتيجة المؤسفة ؛ حيث عم الضرر، ووقع الظلم .هذا ملخص ما جرى، وأدع الحديث للإمام ابن القيم، فهو حي بيننا بكتبه, شاهد عدل بعلمه وفقهه,إذ يقول في كتابه إعلام الموقعين (3/401) :"الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض, فتفسد معاملات الناس, ويقع الخلف, ويشتد الضرر, كما رأيت من فساد معاملاتهم, والضرر اللاحق بهم، حين اتخذوا الفلوس سلعة تعد للربح, فعم الضرر, وحصل الظلم... فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع"أهـ
وقال في الطرق الحكمية (صـ350) :"ويمنع من جعل النقود متجرًا ؛ فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها، ولا يتجر فيها"أهـ
وهاهو التاريخ يعيد نفسه، وكأن ابن القيم يعيش واقعنا الحاضر، أو كأنه ينظر إليه من ستر رقيق ! ولذا، فإنه يستحق شهادة دكتوراه فخرية في المال والاقتصاد، وإن كنت أشك في حفاوته بها لو كان حيًا .
نعم,أعاد التاريخ نفسه؛لأننا اليوم نرى ونسمع كثيرًاعن تذبذب أسعار العملات,وما نتج عنه من تضخم في النقود وضعف قوتها الشرائية, كما هو مشاهد في بعض بلاد الشرق والغرب، وهذا له أسبابه السياسية, والأمنية، والاقتصادية ومن أبرزها العبث بهذا النقد الذي استخدم في غير ما صنع له, وهذا ماحذر منه العلامة ابن القيم آنفًا, وألمح إليه الفقيه الشافعي أبو حامد الغزالي (ت505هـ) في إحياء علوم الدين (4/91) والفقيه الحنفي ابن عابدين (ت1252هـ) في مجموعة رسائله (صـ57) حيث قال:"رأينا الدراهم والدنانير ثمنًا للأشياء، ولا تكون الأشياء ثمنًا لها.. فليست النقود مقصودة لذاتها, بل وسيلة إلى المقصود"أهـ
وأصرح من هذا ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا, حيث قال في تفسير المنار (3/108) :"وثم وجد أمر آخر لتحريم الربا من دون البيع، وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال, فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس, وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال"أهـ
وبهذا نقف على إحدى الحكم التي حرم لأجلها الشارع الربا، وهي أن المرابي يشتغل بالنقد عن المشاريع الإنتاجية، فيقل المعروض من السلع والخدمات, وبالتالي يزيد الطلب عليها, ومع كثرة النقد يقع التضخم، وهو ما عبر عنه بعض الاقتصاديين: ( نقود كثيرة، تطارد سلعًا قليلة ) .
ومن هذا الوجه- وغيره- ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى المنع من المتاجرة بالعملات -لا بيعها وشراؤها للحاجة- ومن المضاربة بفروق الأسعار في سوق المال؛ ومن هؤلاء الفقهاء الدكتور محمد الشباني,كما في بحثيه ( الربا والأدوات النقدية المعاصرة,والمضاربة بالأسهم والمشتبهات من المكاسب) وعلل ما ذهب إليه بأدلة, ومقاصد شرعية, جديرة بالنظر والتأمل، ومنها: أنه عد من المفاسد التي يؤدي إليها هذا النوع من التعامل، الضرر على الاقتصاد ككل؛ حيث يتوجه المال المدخر إلى المضاربة فيه، بحيث يصبح دولة بين المضاربين في الأسهم، يتحرك في دائرة واحدة لا يتعداها إلى غيرها ... الخ .