وعن ابن مسعود - رضي الله عنهما - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: « الربا ثلاثة وسبعون بابا ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه » (5) رواه الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين ، وفي رواية عند البزار وابن ماجه بإسناد صحيح قال: « الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك » (6) .
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم ، أشد من ست وثلاثين زنية » (7) رواه أحمد والطبراني في الكبير ، قال المنذري: ورجاله عند أحمد رجال الصحيح .
وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: « والذي نفسي بيده ليبيتن الناس من أمتي على أشر وبطر
(1) سنن الترمذي النكاح (1120) ,سنن النسائي الطلاق (3416) ,مسند أحمد بن حنبل (1/448) ,سنن الدارمي النكاح (2258) .
(2) صحيح مسلم المساقاة (1597) ,سنن الترمذي البيوع (1206) ,سنن النسائي الطلاق (3416) ,سنن أبو داود البيوع (3333) ,سنن ابن ماجه التجارات (2277) ,مسند أحمد بن حنبل (1/402) ,سنن الدارمي البيوع (2535) .
(3) سنن النسائي الزينة (5103) .
(4) سنن النسائي الأشربة (5672) ,مسند أحمد بن حنبل (2/203) ,سنن الدارمي الأشربة (2093) .
(5) سنن ابن ماجه التجارات (2275) .
(6) سنن ابن ماجه التجارات (2275) .
(7) مسند أحمد بن حنبل (5/225) .
ولعب ولهو فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم ، واتخاذهم القينات ، وشربهم الخمر ، وأكلهم الربا ، ولبسهم الحرير » (1) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في الزوائد ، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: « يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب ، فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير ، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون خسف الليلة ببني فلان ، وخسف الليلة بدار فلان ، ولترسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها ، وعلى دور ، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل وعلى دور ، بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا ، وقطيعة الرحم » (2) ، وخصلة نسيها جعفر ، رواه أحمد مختصرا واللفظ له ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وكتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها مليئة بالنقول عن كبار العلماء ؛ من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب وغيرهم لا نريد الإطالة بذكرها وفي هذا القدر كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/329) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (5/259) .
ما جناه الاستعمار الأوروبي على المسلمين:
ولذلك فقد ظل المسلمون متمسكين بتعاليم دينهم ، مبتعدين عن التعامل بالربا ، إلى أن ابتلوا بالانتكاسات المتتالية ، ودخلت أكثر بلدانهم تحت الاستعمار الأوربي ، باستثناء السعودية والجزء الشمالي من اليمن ، فنقلت إليهم تلك الدول المستعمرة النظام البنكي المعتمد على الفوائد الربوية ، فدب شيئا فشيئا ، حتى سمحت التقنينات المدنية في الدول الإسلامية والعربية بتقاضي فوائد يحددها قانون كل نظام بنسب معينة ، إلى أن أصبح التعامل به مستساغا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصار الفرد المسلم مكبلا بتلك النظم والتقنينات يرزح تحت نير البنوك الربوية مغلوبا على أمره لا يجد منها مخلصا ، وحيث إن لا مناص للأمة من ذلك إلا بتظافر الجهود من علماء المسلمين وقادتهم ومفكريهم وأهل الحل والعقد فيهم للعمل على تحرير اقتصادهم والعودة بها إلى تحكيم شرع الله في الدقيق والجليل من أمرها ، وتطهير بنوكها ومصارفها من الربا ، وبحمد الله تعالى فإن المجالات واسعة لتنمية أموآله ا واستثمارها عن طريق المضاربات والمشاركات والعقود السليمة من الربا ، إذا صحت النية ، وصدقت العزيمة ، وقد برزت في الأونة الأخيرة بنوك إسلامية ، وصارت الأنظار مشرئبة إليها نسأل الله لها وللقائمين عليها التوفيق والنجاح ، ولا شك أن الرب الذي أحاط بكل شيء علما ، ووسعه رحمة وحكما ، لم يحرم شيئا إلا لخبثه وضرره وسوء عاقبته ، ووجود البديل الأفضل فيما أحله من الطيبات ، قال سبحانه وتعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) .
وها أنا سأحاول بفهمي القليل وعلمي الضئيل أن أبين الربا وأنواعه ، وما يجري فيه من المعاملات حسب ما استنبطه أهل
(1) سورة البقرة الآية 275
العلم من مصادر التشريع بعبارة ميسرة يفهمها القارئ العادي ، فإذا ما عرفها واجتنبها ، واقتصر على ما أحل الله له ، جعل الله له من أمره يسرا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، قال الله تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } (1) { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } (2) ، وقال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } (3) .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
(1) سورة الطلاق الآية 2
(2) سورة الطلاق الآية 3
(3) سورة الطلاق الآية 4
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 47 / ص 357)
الربا لغة: الزيادة .
وشرعا: ثلاثة أنواع:
الأول: ربا الفضل ، ويقع فيما اتحد فيه العوضان جنسا وعلة ، والمراد بالجنس الصنف الواحد ، ويعتبر الذهب صنفا والفضة صنفا ، وعملة كل نظام صنفا ، والبر صنفا وهكذا بقية أصناف المطعومات ، والمراد بالعلة: العلة المسببة للربا التي وقع تحريمه بسببها ، وهي النقدية فيما سبب الربا فيه النقدية كالذهب والفضة وما يلحق بهما من العملات النقدية أو النقدية والوزن فيما يتداول منها بالوزن كالذهب والفضة ، أو الطعم والكيل في المطعومات كالبر والشعير والتمر والزبيب والملح ونحوها ، فإذا اتحد العوضان جنسا وعلة فلا يجوز البيع فيها إلا مثلا بمثل يدا بيد ، وإذا لم يحصل التماثل بين العوضين فقد وقع ربا الفضل فالذهب بالذهب لا بد أن يكون وزنا بوزن ، وكذلك الفضة بالفضة والعملة السعودية بالعملة السعودية لا بد أن تكون ريالا بريال ، والورقة من فئة خمسمائة أو من فئة مائة ونحوها بما يعادلها بالريال من الفئات الأخرى سواء بسواء وإلا وقع ربا الفضل وكذلك سائر العملات ، فعملة كل بلد أو نظام جنسا فلا يجوز فيه التفاضل .
وكذلك الحال في المطعومات إذا اتحد العوضان جنسا وعلة ؛ كالبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب والملح بالملح والذرة بالذرة والدخن بالدخن ونحوها ، لا يجوز البيع فيها إلا مثلا بمثلى يدا بيد ، حتى لو كان جيدا برديء ، فلا يجوز فيه التفاضل وإلا وقع ربا الفضل ، لاختلال شرط التساوي ، ومثله في الحكم مجهول التساوي فلا يجوز بيع قلادة من الذهب والخرز بقدر معلوم من الذهب ، ولا قلادة من الفضة والخرز بقدر معلوم من الفضة ، لعدم العلم بالتساوي ، وكذلك لا يجوز بيع صبرة الطعام من البر أو الشعير أو التمر ونحوها بجنسه مكيلا ولا بيع رطب بيابس كالرطب بالتمر أو الزبيب بالعنب أو ثمرة الحائط بجنسه ؛ للجهل بالتساوي لأن مجهول التساوي كمعلوم التفاضل لحديث: « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق - والورق: الفضة - إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا غائبا بناجز » (1) متفق عليه . وفي لفظ: « الذهب بالذهب والفضة بالفضة