إن تحريم الربا من الأحكام المعقولة المعنى لا من التعبديات ، وما حرم الله تعالى شيئا إلا لضرره على عباده الخاضعين لشرعه ، وقد علل تحريم الربا في نص القرآن بأنه ظلم من حيث إنه استغلال لضرورة الفقير الذي لا يجد قوته أو ضرورته إلا بالاقتراض . والقرآن إنما حرم الربا الذي كان معهودا بين الناس في الجاهلية ، وهو الربا المضاعف ؛ كما تراه في تفسير ابن جرير وغيره من كتب التفسير المأثور: ومنه قول ابن زيد - زيد أحد علماء الصحابة الأعلام وابنه من رواة التفسير المأثور: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف ، وفي السن: يكون للرجل على الرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول: تقضيني أو تزيدني . . . ؟ فإذا كان عنده شيء يقضيه ، قضى ؛ وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك ، إن كانت ابنة مخاض ( أي في السنة الثانية ) يجعلها ابنة لبون ( أي في السنة الثالثة ) ، ثم حقة ( أي ابنة السنة الرابعة ) ، ثم جذعة ( في الخامسة ) ، ثم رباعيا ( وهو ما ألقى رباعيته ويكون في السنة السادسة ) ، ثم هكذا إلى فوق ، وفي العين ( أي الذهب والفضة يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل ، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا ، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين ، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة ، يضعفها له كل سنة أو يقضيه . اهـ . من تفسير آية آل عمران ) .
وضرر هذا عظيم ، وهو قسوة تحرمها الآن جميع القوانين ، ثم أوجب القرآن على التائب منه أخذ رأس المال فقط . وذكر ابن حجر المكي في الزواجر: أن ربا الجاهلية كان الإنساء فيه بالشهور ، والذي يسمى في عرف المحدثين بربا النسيئة ، وفيه ورد حديث: « لا ربا إلا في النسيئة » (1) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن زيد مرفوعا ، ورواه مسلم عن ابن عباس عنه بلفظ: « إنما الربا في النسيئة » (2) ، وما صح من النهي عن ربا الفضل في الحديث فلسد الذريعة ؛ كما نص عليه المحققون .
وإننا قد فصلنا القول في مسألة الربا في التفسير وغيره من قبل ، فلا نعود إليها هنا ، وإنما غرضنا بيان أن تلك الفتوى ليس فيها خطر على التوحيد ولا تقتضي تحليل شيء من المحرمات ، ومن لا يطمئن قلبه للعمل بها فلا يعملن بها (3) .
(1) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4580) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,مسند أحمد بن حنبل (5/209) ,سنن الدارمي البيوع (2580) .
(2) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4581) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,سنن الدارمي البيوع (2580) .
(3) فتاوى محمد رشيد رضا 5 \ 1974 - 1978 .
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 46 / ص 203)
إعداد فضيلة الشيخ \ عبد الله بن سليمان المنيع (1)
الحمد لله الواهب المعين ، وصلى الله وسلم على رسول رب العالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . . . وبعد:
فاستجابة للرغبة العلمية في الكتابة في موضوع الربا والصرف فعلى بركة الله والاستعانة به تعالى أبدأ ، مستمدا منه العون والتوفيق فهو وحده المستعان .
معنى الربا في اللغة والاصطلاح الشرعي:
الربا من ربا يربو من باب نصر ينصر والمصدر منه ربا وهو في اللغة بمعنى الزيادة ، يقال ربا المال إذا زاد ونما . وربا السويق إذا صب عليه الماء وانتفخ . وربا الرابية إذا علاها . قال في القاموس: ربا ربوا كعلو ، وربا زاد ونما ، وارتبيته . والرابية علاها والفرس ربوا انتفخ من عدو أو فزع . ا هـ .
وقال في مختار الصحاح: قال الفراء في قوله تعالى: { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } (2) أي زائدة كقولك أربي إذا أخذت أكثر مما أعطيت . وقال الزمخشري في كتابه أساس البلاغة: ربا المال يربو زاد . وأرباه الله ويربي الصدقات ، وأربت الحنطة أربحت . وأربى فلان في السباب وأربى عليه زاد ، وأربى على الخمسين . ا هـ .
ومن ذلك قوله تعالى: { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } (3)
(1) 1 - ولد بشقراء عام 1349 هـ المملكة العربية السعودية. 2 - ماجستير في الشريعة الإسلامية من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود. 3 - قاض في محكمة التمييز بالمنطقة الغربية وعضو هيئة كبار العلماء والمجلس الأعلى للأوقاف. 4 - أمضى قرابة عشرين عاما عضوا في الإفتاء وقرابة عامين نائبًا للرئيس العام وأربعة في المجال القضائي لتمييز الأحكام بالمملكة العربية السعودية. * الآثار العلمية: 1 - الورق النقدي. 2 - مع المالكي في رد أضاليله ومنكراته. 3 - مع الاشتراكيين في أضواء الشريعة.
(2) سورة الحاقة الآية 10
(3) سورة الحج الآية 5
وقوله تعالى: { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا } (1) ومنه ما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم: « فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها » (2) .
أما في الاصطلاح الشرعي فقد اختلف في تعريفه تبعا للاختلاف في تحديد مفهومه . فعرفه بعضهم (3) : بأنه تفاضل في أشياء ونسا في أشياء مختص بأشياء . وبعضهم عرفه (4) : بأنه اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد ، أو تأخير في البدلين أو في أحدهما . وبعضهم عرفه فعرف ربا الفضل (5) : بأنه زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي ، وهو الكيل أو الوزن في الجنس . وعرف ربا النسيئة بأنه فضل الحلول على الأجل ، وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس ، أو غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس .
وهناك من يقول بإطلاق الربا في الشرع على البيوع الباطلة ، ويعزى هذا القول إلى عائشة رضي الله عنها ، فقد قالت لما نزلت آيات الربا في آخر سورة البقرة: « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرم التجارة في الخمر . » (6) وإلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: إن من الربا بيع التمرة وهي معصفة قبل أدن تطيب (7) .
(1) سورة الرعد الآية 17
(2) صحيح البخاري مواقيت الصلاة (577) ,صحيح مسلم الأشربة (2057) ,سنن أبو داود الأيمان والنذور (3270) ,مسند أحمد بن حنبل (1/197) .
(3) ج 3 من كشاف القناع عن متن الإقناع، ص 205.
(4) تكملة مجموع النووي للسبكي، ج10 ص22.
(5) ج5 ص 183 من بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني.
(6) صحيح البخاري تفسير القرآن (4267) ,صحيح مسلم المساقاة (1580) ,سنن النسائي البيوع (4665) ,سنن أبو داود البيوع (3490) ,سنن ابن ماجه الأشربة (3382) ,مسند أحمد بن حنبل (6/100) ,سنن الدارمي البيوع (2569) .
(7) تكملة مجموع النووي للسبكي، ج10 ص 21.
مما تقدم نستطيع أن نجد العلاقة بين معنيي الربا في اللغة ، وفي الاصطلاح الشرعي في غاية الارتباط . فالمعنيان يدوران حول الزيادة . وإذا كان بعض العلماء يرى أن الربا يطلق على كل البيوع الباطلة ، فالربا الباطل متحقق ، لأن كل بيع باطل مشتمل على زيادة غير مشروعة ، إما لأن أحد العوضين ليس مالا مباحا ، فيكون بذل العوض الآخر في غير مقابلة . لأن هذا المال المحرم في حكم المعدوم لحرمة الانتفاع به شرعا ، وإما أنه غير متكافئ مع مقابله ، فما بينهما من فرق زيادة في غير مقابلة عوض .