هذا هو التحذير العظيم لآكل الربا، فما الذي يدعو المسلم لارتكاب هذا الذنب؟! وكيف تهون عليه نفسه فيعرضها إلى حرب من الله ورسوله، حرب من رب السموات والأرض، من خضعت له المخلوقات جميعا، من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وحرب من رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين؟! هل عاقل من يعرض نفسه إلى هذا الخطر؟! وهل حكيم من يدخل هذه الحرب المعلومة النتيجة؟!
ولعل من أهم الدوافع إلى الربا قلة إيمان الإنسان بموعود الله في الرزق، فلو كان الإنسان مؤمنا حقا وموقنا بأنه لن يُحرم رزقا كتبه الله له فلن يلجأ أبدا إلى دخول باب حرم الله دخوله، ولكن الثقة في الرزق مهزوزة، والاعتماد على الرزاق ضعيف، لهذا يلجأ الإنسان إلى كل الأبواب ولا يلجأ إلى باب العزيز الوهاب الذي كتب الأرزاق لعباده وحددها، يقول سبحانه: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:22، 23] ، كما أن الإنسان إذا ابتعد عن دين الله وركن إلى الدنيا وشغف بمتاعها وزينتها فإنه لا يبالي من أي مكان جلب المال وكسبه، وهذا يجعله يقع في المحظور، يقول: (( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن حلال أم من حرام ) )أخرجه البخاري عن أبي هريرة. ولكن المسلم الحق والمسلم الصادق لا يمكن أن يستسهل أمرا لعن الله فاعله وأنذره وبالغ في ذمه لأن اللعنة تعني الغضب وتعني العذاب، فالمتعامل بالربا كما يخبر رسول الله معرض للعنة الله رب العالمين سواء كان مقرضا أو مقترضا وهذا ليس بالأمر الهين، أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله قال: (( لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ) ). فاللعنة ليست على المقرض بالربا وحده، بل هي على الطرفين، بل إنها تشمل حتى من يكتبه ومن يشهد عليه، كل هؤلاء تلحقهم لعنة الربا والعياذ بالله.
وآكل الربا ـ إخوة الإيمان ـ يعذب على هذه المعصية عذابا شديدا، وصف رسول الله شيئا من هذا العذاب في حديث الرؤيا التي رآها، والذي أخرجه البخاري عن سمرة، يقول في هذا الحديث: (( رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا ) )، كما بين الله سبحانه أن آكل الربا يقوم يوم القيامة من قبره كالمجنون جزاء ما أكل من أموال محرمة، يقول سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] ، قال ابن كثير:"أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا"، وقال ابن عباس: (آكل الربا يبعث مجنونا يخنق) ، هذه هي فداحة، هذه المعصية العظيمة، وهذا ما تجنيه على صاحبها من عقوبات مادية ومعنوية.
قال السّرخسيّ: ذكر اللّه تعالى لآكل الرّبا خمسًا من العقوبات:
إحداها: التّخبّط، قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] .
الثّانية: المحق، قال تعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا [البقرة:276] ، والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتّى لا ينتفع به ولا ولده بعده.
الثّالثة: الحرب، قال اللّه تعالى: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِه [البقرة:279] .
الرّابعة: الكفر، قال اللّه تعالى: وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة:278] ، وقال سبحانه بعد ذكر الرّبا: وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ، أي: كفّارٍ باستحلال الرّبا، أثيمٍ فاجرٍ بأكل الرّبا.
الخامسة: الخلود في النّار، قال تعالى: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] .
فلا ينبغي ـ إخوة الإيمان ـ لمسلم يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا أن يلجأ إلى هذه المعاملة الممقوتة، فيبني بها بيتا أو يطعم منها أهلا وولدا، بل على المسلم أن يصبر، وأن يسعى للكسب من الحلال، وأن يدعو الله سبحانه أن يفتح عليه أبواب رزقه، فإن الله سبحانه لا يعجزه شيء.
أسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه رضاه وهداه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
معشر المسلمين، لقد نظر الإسلام إلى الربا نظرة ملؤها المقت والكره، لهذا حذر أتباعه منه وذمه لهم، وقد بلغ من هذا التحذير أن رسول الله يقول كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن حنظلة وهو في صحيح الجامع: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية ) )، كما أنه ركز على أمر الربا فيما ركز عليه من أمور مهمة في خطبة حجة الوداع، تلك الخطبة التي أوصى فيها المسلمين بأهم الوصايا، يقول في تلك الخطبة العظيمة كما عند ابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: (( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) )، ثم يقول: (( وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا يا أمتاه: هل بلغت؟ ) )ثلاث مرات، قالوا: نعم، قال: (( اللهم اشهد ) )ثلاث مرات.
هذه وصية الوداع من رسول الله قبل أن يغادر هذه الدنيا، يوصي بها أمته ناصحا مشفقا، ويُشهد الله على ذلك، فهل تكون أمة تابعة لنبيها مطيعة له أمة تعصيه في آخر وأهم وصاياه؟! وماذا تنتظر الأمة إذا عصت هذا الأمر الإلهي وهذه الوصية النبوية؟! هل تنتظر رفعة وعزا؟! ماذا تنتظر أمة تعاملت بالربا المحرم؟! هل تنتظر رخاءً ونماءً؟! لا يمكن أن يكون رخاء ونماء فيما حرمه الله سبحانه، لهذا قد ينتعش اقتصاد يقوم على الربا ولكنه انتعاش يحمل في طياته الهلاك والخسران وإن طال الزمن، يقول فيما أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس: (( إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ) )؛ لهذا ينبغي علينا أن نبتعد عن هذه المعصية، وأن لا نقترب منها إن كنا نريد الفلاح وإن كنا نريد النجاة، فلا سبيل إلى النجاة إلا في الابتعاد عما حرم الله، يقول سهل بن عبد الله كما في تفسير القرطبي:"النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي"، فالنجاة إذًا في طلب الحلال، أما الاعتماد في هذه الحياة ومطالبها على الحرام واللجوء إلى الربا وغيره مما حرم الله فإنه لا ينفع ولا يدوم ولا يفضي إلا إلى القلة والفقر مهما استكثر الإنسان منه، عن ابن مسعود أن رسول الله قال: (( ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة ) )أخرجه ابن ماجه.
فلنتق الله عباد الله، ولا يدفعنا طلب الرزق أو قلته إلى أن نطرق أبواب الحرام.
أسأل الله أن يهدينا إلى صالح الأقوال والأعمال، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه...
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 5076)