محمد بن مبروك البركاتي
الليث
جامع بايزيد
الخطبة الأولى
لقد أقر القرآن الكريم القصة سلاحًا قويًا ومؤثرًا من أسلحة الدعوة إلى الإسلام وانتشاره؛ للتنفير من الرذيلة والقبائح والترغيب في القيم الخلقية والفضائل، وأخذت حيزا كبيرًا من القرآن الكريم، في قصص الرسل مع أقوامهم في عصور كثيرة، وقصص الصالحين من عباده، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ [يوسف: 3] ، وقال سبحانه: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف: 111] ، وقوله تعالى: فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 176] ، وقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف: 13] .
وإليكم هذه القصة لأخذ العبرة منها:
تزوج شاب في عنفوان شبابه بشابة ذات دين وحسب ونسب وجمال، وقد كانت الحياة بينهم من أجمل ما يكون بين امرأة وزوجها، يحب بعضهم بعضا، وقد رزقه الله منها ابنًا إلا أن هذه الحياة لم يرد الله لها الاستمرار، فقد حدث لهذا الشاب حادث مروريّ راح ضحيتَه، وما إن انقضت عدة هذه الشابة إلا والخطّاب يتقاطرون عليها، كلّ يريدها، ولكنها آلت على نفسها أن لا تتزوج لتتفرّغ لتربية ابنها الذي كانت تحبّه أشدّ الحب وترى فيه العِوَض عن زوجها الذي أحبّته، وقد اجتهدت بالفعل في تربيته، وتبذل له كل غال ونفيس، وما يرغب أمرا إلا ويجده ملبى.
وتمر الأيام على هذا الابن وأمّه، ويدخل المرحلة الابتدائية وهي أكبر معين له بعد الله، تساعده في مذاكرته وتذلّل له العوائق حتى كان من المتفوّقين في دراسته، ولا تزال الفرحة تملأ قلبها بهذا الابن المتفوّق، ثم يدخل المرحلة المتوسطة ولا يزال في تفوقه، ويشاء الله ويكوّن هذا الشاب علاقة مع بعض زملائه مع اختبارات الفصل الدراسي الثاني من الصف الثاني المتوسط، حيث يذهب ليذاكر معهم، وبدأ يسهر معهم للمذاكرة، ولكن أمّه الحنون لا يطاوعها قلبها أن يسهرَ ابنها خارج المنزل، فما زالت به تناصحه وتحاول أن لا يخرج بعيدا عنها، فهي تحتاجه وتخاف عليه، حتى رضي أن تكون مذاكرتهم وسهرهم في منزله قريبًا من أمّه، ففرحت المسكينة وأخذت تجهّز له ولزملائه ما يحتاجونه من وسائل الراحة، ونذرت نفسها لخدمته وزملائه.
وتمر الأيام وإذا بها ذات يوم تشتكي آلاما تجدها، وتذهب لابنها ليوصلها لأقرب مستشفى ليكشف عليها، إلا أن الابن أخذ يتبرّم ويعتذر بعدم وجود السيارة، فعندما لم يجد بدّا من توصيلها أخذ سيارة أحد أصحابه ثم ذهب بها إلى باب المستشفى ثم تركها وذهب إلى أصحابه، وفي المستشفى تأبى إلا أن تكشف عليها طبيبة، ولكن لما لم تجد طلبت من الطبيب أن لا يرى منها إلا ما دعت الحاجة إليه، وطلب منها الطبيب بعض التحاليل. ثم بعد خروج النتيجة قال لها الطبيب: مبارك أنت حامل، فلم تكترث بقوله ظنّا منها أنه يمزح معها، فكرر عليها الطبيب أن نتيجة الفحوصات تقول: إنك حامل، فلما رأت أن الطبيب جادّ في كلامه قالت: يا دكتور، كيف حامل وأنا غير متزوجة ولم يطأني بشر؟! قال: وكيف حملت؟! فلما رأى استغرابها بدأ يبحث معها في الأمر حتى عرَف حالها مع ولدها وأصحابه، فقال: منهم قد أُصِبتِ، فاذهبي إلى بيتك وكوني على عادتك حتى تكتشفي الأمر.
وبالفعل ذهبت إلى بيتها وجاءها ابنها على عادته دائما ليسقِيَها كأس حليب قبل النوم، فأخذته منه وتظاهرت أنها شربته، وبقيت متحسسة الخبر، وإذا به يأتيها ليأخذ حاجة الرجل من امرأته منها وهي نائمة كما كان قد عملها معها قبل ذلك، فانتبهت فإذا به ابنها يريد منها ما يريد الرجل من امرأته، وإذا به ليس بعقله فقد استخدم المخدّر حتى أفقده عقله وجاء إلى أمه ليزني بها، فأصيبت بخيبة أمل في ابنها وبمصيبة في نفسها، وصدق رسول الله حين وصف الخمر بقوله: (( الخمر أم الخبائث ) )رواه الطبراني وصححه الألباني، فهي تجمع كل الخبائث الدينية والدنيوية، فصاحبها مفسد لعقله، مفسد لبدنه وقوته ومنهك لصحّته، مؤذ لأهله وجيرانه وملائكته، وصاحب الخمر مغضب لربه سبحانه وتعالى الذي نهى عن شربها وتوعّد صاحبها بالعذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة: 90، 91] . والمخدرات أخبث من الخمر لأنها تؤدّي إلى ذهاب العقل، فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: (( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ) )رواه مسلم.
عباد الله، لعلكم استبشعتم هذا الفعل من هذا الشاب عندما زنى بأمه أعاذني الله وإياكم، ولا شك أنه أمر بشع غاية البشاعة، ولعلكم تظنون أنني سقت هذه القصة لكم لنحذر خطر المخدرات، صحيح أنه أحد الأمور التي أردت أن أحذّر منها، ولكن ـ يا عباد الله ـ إن ما يقدِم عليه كثير من الناس اليوم من التعامل بالربا أشد من هذا بنص حديث رسول الله ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح من طريق ابن مسعود مرفوعا قوله: (( الربا ثلاث وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) )، وأخرج أيضًا بإسناد لا بأس به من طريق أبي هريرة مرفوعا: (( الربا سبعون بابا، أدناها كالذي يقع على أمه ) ). فهل استشعرتم معي خطر الربا؟! إنه حرب لله ورسوله، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 278، 279] ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومن يطيق محاربة الله؟!
ولقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الأسهم والمساهمات والمضاربة فيها والاستثمار، وذكرنا كيف إقبال الناس على ذلك من غير تورّع ولا خشية أن يقع أحدهم في الربا، بل لقد تساهل البعض في ذلك تساهلا كبيرًا، وعندما تذكر له شركة بأنها مقترضة بالربا أو مودعة بالربا لا يكتَرِث، ونسي المسكين أو تناسى هذه الأحاديث والآيات.