فهرس الكتاب

الصفحة 747 من 1226

ماذا ينفعُك حرصُك على الأسهمِ واللهثِ وراءَها إذا أوقفتَ بين يدي الله تعالى، وبدأتَ تبحثُ يمنةً ويسرةً عن حسنةٍ واحدةٍ تُنجيك بإذن الله تعالى من ناره وجحيمه فلم تجد ؟!!

يا أخي كن ممن قال الله فيهم: (( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) ) (النور:37) .

واعلم رعاك الله أنك إذا حافظتَ على صلاتِك، وداومتَ على طاعةِ ربك، فتحَ لك الرزاقُ الكريم أبوابَ فضلِه، وجاءكَ الخيرُ من حيثُ لا تحتسب، يقول الله تعالى: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) ) (سورة الطلاق:3.2) .

يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( الكيّسُ من دانَ نفسَه وعملَ لما بعد الموتِ، والعاجزُ من اتبعَ نفسَه هواها وتمنى على الله الأماني ) )رواهُ الترمذي .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .

الخطبة الثانية

الوصية السادسة:

عليك أخي الفاضل أنْ تخرجَ ما وجب عليك من زكاةٍ في أسهمك؛ لأنك أنتَ المطالبُ بذلك وليس الشركة، وزكاةُ الأسهمِ تُخرجُ وفقَ الطريقةِ الآتية:

إن كنتَ ساهمتَ في الشركةِ بقصدِ الاستفادةِ من ريعِ الأسهمِ السنوية، وليس بقصدِ التجارةِ، فإنَّ صاحبَ هذه الأسهمِ لا زكاةَ عليه في أصلِ السهم، وإنما تجبُ الزكاةُ في الربح، وهي ربعُ العشرِ بعدَ دورانِ الحولِ من يومِ قبضِ الربحِ إن كان نصابًا .

وإن كانتَ قد اقتنيتَ الأسهمَ بقصدِ التجارة، فزكاتُها زكاةُ عروضِ التجارة، فإذا جاءَ حولُ زكاتك وهي في ملككَ، زكيتَها بقيمتِها الحاليةِ في السوقِ لا بما اشتريتَها به، وإذا لم يكنْ لها سوقٌ، زكيت قيمتَها بتقويمِ أهلِ الخبرة ، فيخرجُ ربعَ العشرِ من تلكَ القيمةِ ومن الربحِ ، إذا كان للأسهمِ ربح .

وإذا باعَ المساهمُ أَسهُمَه في أثناءِ الحولِ ضمَ ثمنَها إلى مالِه وزكَّاه معه، عندما يجيءُ حولُ زكاته. أما المشتري فيُزكي الأسهمَ التي اشتراها على النحوِ السابق، وإذا أخرجتِ الشركةُ الزكاةَ فيكتفي بذلك ولا يخرجَها المساهمُ، وكذلك العكسُ لئلا تجبَ زكاتانِ في مالٍ واحد.

الوصية السابعة:

كثيرًا ما يتساءلُ الناسُ فيقولُ قائلهم: فلانٌ من العلماءِ قال بجوازِ شراءِ أسهمِ الشركةِ الفلانية، وفلانٌ قال بحرمتِها، فكيفَ نوفقُ بينهما ؟

وأقول: يجب أن نعلمَ أن سببَ الخلافِ بين أهلِ العلمِ في هذه القضيةِ هو؛ هل يجوزُ المساهمةُ في شركةٍ أصلُها حلالٌ وفيها نسبةٌ قليلةٌ من الربا أم لا ؟

فبعضهم يرى جواز ذلك، وقد ذكرت لك في ثنايا الخطبةِ أن جماهيرَ العلماءِ يرون حرمةَ المساهمةِ في ذلك؛ لأن الله حرم الربا قليلهِ وكثيرِه، ونهانا عن التعاونِ على الإثمِ والعدوان .

والأصلُ في المسلمِ أنْ يتجنبَ الشبهاتِ حرصًا على دينه، وحفظًا لآخرته، ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم في حديثِ النعمانِ بنِ بشير المتفقِ عليه عن ذلك بقوله: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) ).

والمشتبه هو ما اختُلِف في حله أو تحريمه، وفسرها الإمامُ الزاهدُ الورعُ أحمدُ بنُ حنبل رحمه الله بأنها منزلةٌ بين الحلالِ والحرام ، وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارةً باختلاطِ الحلالِ والحرام ، وقال سفيانُ بنُ عيينة- رحمه الله-: لا يُصيبُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينَه وبين الحرامِ حاجزًا من الحلال،ِ وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابه منه.

نسأل الله أن يكفينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه .

[1] ـ وهما المجمعُ الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) )] النساء:1 [. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) )] الأحزاب:70-71[.

أمَّا بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعدُ ، أيَّها المسلمون:

فإنَّ من علاماتِ ضعفِ الإيمان, وضعف اليقين باليوم الآخر, حبَ الدنيا, وإيثارَها على الآخرة, والتعلقَ بالشبهِ الواهيةِ في تحصيلِ المالِ بأي وجهٍ كان, ولقد تعددت في زماننا هذا, أبوابُ الكسبِ الحرام، التي وقع فيها الكثيرون، فأهلكوا بذلك أنفسهم وأهليهم، وكلُّ جسدٍ نبت من سُحتٍ فالنار أولى به, ووقعَ آخرون في الشبهات, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرامِ كالراعي يرعى حولَ الحمى, يُوشكُ أن يرتعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإنّ حمى اللهِ محارمه, ومن المصادرِ الخبيثةِ المحرمةِ لكسبِ المالِ وجمعه، السرقةُ من بيتِ مال المسلمين بدعوى أنَّ لهُ فيه حقًا، أو أنّ ما يتعاطاهُ لا يكفيه، أو أنّ الحكومةَ قويةٌ وهو ضعيف، أو غيرَ ذلكَ من الدعاوى التي لا تُغنيهِ عند اللهِ فتيلًا، وتبدأُ هذه الجريمة- أعنى السرقة- من بيتِ مالِ المسلمين, بسرقةِ قلمٍ أو ورقةٍ أو محبرةٍ، وتنتهي بسرقةِ ملايينَ الريالات بشتَّى الحيلِ وطرقِ التزوير، مما ينطلي على البشر, وينكشفُ لربِّ البشر، عالمُ الغيبِ والشهادة، الذي لا تخفى عليه خافية، وهو العزيزُ الحكيم، ولا يدري ذلك السارقُ المسكينُ أنّ خصمهُ في هذا ليس وليُّ الأمرِ وحدهُ بل المسلمون جميعًا، فقد سرقَ من مالهم, بل إنّ خصمهُ هو اللهُ الواحدُ القهار, المنتقمُ العزيزُ الجبار، الذي يقولُ: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) )ويقولُ سُبحانهُ: (( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت