فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 1226

إنها رسمية أو غير رسمية ، وكل فتوى خالفت ذلك التحريم فهي فتوى باطلة يحرُم الإفتاء بها أو العمل بمقتضاها ، وليس ما يقال عنه من فوائد البنوك إلا صورة من صور الربا المحرم بالنص والإجماع ، وذلك أن حقيقة هذه الفائدة إنما هي (زيادة اشترطت في رأس المال في مقابل الأجل) [31] (التأخير) ، سواء أكانت الزيادة مما يعطيها البنك للمودع (المُقرض) أو يأخذها البنك من المقترِض ، فكل ذلك من الربا الجلي بيقين .

وهذه الصورة المحرمة من صور الربا لا يُحلّها وجود فتوى يقال عنها إنها رسمية قالت بحلها ، كما لا يُحِلّها القول بأنها معاملة: (مقبولة من الطرفين) ؛ إذ ليس قبول الطرفين في المعاملات هو الموجب الوحيد للحِل في المعاملات ، فالقمار حرام ولو كان برضا الطرفين ، والزنا حرام ولو كان برضا الطرفين .. فالرضا وإن كان معتبرًا في المعاملات لكنه لا يحل ما حرم الله ، وهذا واضح لا إشكال فيه .

ومن كل ما تقدم:

يتبين لنا أن كلام المفتي على قصره قد احتوى على كثير من الأمور المخالفة للشريعة ، من ذلك:

1-قوله إن الإفتاء ولاية .

2-قوله إن المفتي الذي عينه ولي الأمر هو الذي له حق الفتوى دون غيره من أهل العلم .

3-قوله إن فتوى المفتي ملزمة لكل الناس .

4-خلطه وعدم تفريقه بين الإفتاء والقضاء .

5-قوله بحل فوائد البنوك ، ومخالفته في ذلك للإجماع القطعي لعلماء الأمة قديمًا وحديثًا .

وأخيرًا:

فإن هذه الأخطاء الكثيرة الكبيرة المتتابعة ليس من السهل غض الطرف عنها ، لاسيما وأنها جاءت ممن يتصدر الفتوى .

ولعل هذا الحديث الذي أدلى به فضيلة المفتي كان فرصة للتذكير وتبيين هذه الأمور ، التي أصبحت تخفى على بعض المفتين في هذا العصر .

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح ، وأن يثقل به موازيننا يوم العرض عليه ، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه .

والله من وراء القصد ،

(1) انظر في تعريف الفتوى: لسان العرب ، 15/147 148 ، والتعريفات ، للجرجاني ، ص49 ، والموافقات ، للشاطبي ، 4/79 ، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ، للقرافي ، ص 53 .

(2) الإحكام ، ص 25 .

(3) الإحكام ، ص 91 92 .

(4) مجموع الفتاوى ، 27/303 .

(5) الموافقات ، 4/79 ، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى ، 35/367 ، 385 .

(6) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ، وقال فيه ابن كثير: (وهذا إسناد صحيح) ، السيرة النبوية لابن كثير ، 4/493 .

(7) انظر: الدرة البهية ، ص 26 27 ، أعده وعلق عليه: محمد شاكر الشريف .

(8) انظر: مجموع الفتاوى ، 20 /208 209 .

(9) مجموع الفتاوى ، 33/168 .

(10) إعلام الموقعين ، 4/264 ، والسابع هو: التحري والبحث عن الراجح .

(11) انظر: إعلام الموقعين ، 2/228 .

(12) جامع بيان العلم وفضله ، 2/144 .

(13) الإحكام في أصول الأحكام ، 2/858 .

(14) الاعتصام ، 2/347 355 .

(15) الإنصاف في بيان أسباب الخلاف ، 68 .

(16) إيقاظ همم أولي الأبصار ، ص 74 - 77 .

(17) إيقاظ همم أولي الأبصار ، ص 74 - 77 .

(18) إيقاظ همم أولي الأبصار ، ص 74 - 77 .

(19) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد .

(20) سنن الدارمي ، 1/146 ، وقد أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا مجزومًا به من أول قوله: (لو وضعتم إلخ) ، فتح الباري ، 1/192 ، والصمصامة: هو السيف الصارم الذي لا ينثني .

(21) فتح الباري ، 1/194 ، وانظر: مجموع الفتاوى ، 33/133 134 .

(22) انظر: مجموع الفتاوى ، 35/382 - 383 .

(23) القواعد السنية ، بهامش الفروق ، 4/89 .

(24) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام ، ص 7 .

(25) لسان الحكام في معرفة الأحكام ، لابن الشحنة ، ص 218 .

(26) انظر: إعلام الموقعين ، 1/29 - 30 .

(27) إعلام الموقعين ، 1/30 31 .

(28) الفروق ، للقرافي ، 4/48 ، وانظر: مجموع الفتاوى ، 35/357 - 360 .

(29) الأحكام السلطانية ، للماوردي ، ص79 ، وانظر أيضا: الأحكام السلطانية ، لأبي يعلى الفراء ، ص73 .

(30) انظر: نظام القضاء في الإسلام ، المستشار جمال صادق المرصفاوي ، ص 39 .

(31) انظر: (البديل الإسلامي للفوائد المصرفية الربوية) ، د/ عاشور عبد الجواد ، ص 6 .

د. علي بن سعيد الغامدي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد عمت البلوى بكثير من المعاملات المالية المعاصرة، وأصبح تحصيل المال بأيسر الأسباب وأسرعها مطلب الكسول والعامل، النبيه والخامل، وفي العقدين الأخيرين كثرت مسائل البيوع والمعاملات المالية المختلفة، وتداخلت أعيان تلك المسائل، واشتبه الحلال بالحرام، فلا تدرك أحكام تلك المسائل إلا بالتنقيب والبحث؛ حتى يحرر الفاصل بين الحلال والحرام، ومن تلك المعاملات: المشاركة في شركات الأسهم، فلا بد من البحث والنظر الدقيق في نظام هذه الشركات، وكيفية معاملتها مع المشتركين، ومن ثم إصدار الحكم الشرعي إزاء هذا النوع من المعاملات الذي طم وعم في عصرنا الحاضر، وانخدع به كثير من الناس؛ ظانين حلَّه وإباحته، غير مطلعين على أقوال أهل العلم في هذا النوع من المعاملات.

وهذا بيان يعبر عن رأيي الشخصي إزاء هذه القضية، مع احترامي لآراء طلبة العلم المجتهدين في هذا الباب، والخلاف لا يفسد للود قضية.

وقد جعلته مقسمًا إلى فقرات، وهي:

1)نشأة شركات الأسهم.

2)نظام شركات الأسهم المعمول به اليوم.

3)موقف العلماء من نظام شركات الأسهم الوضعي.

4)الأسباب الحاملة على الاشتراك في شركات الأسهم.

5)مخالفة نظام شركات الأسهم للتشريع الإسلامي في الشركات.

6)مفاسد مترتبة على المساهمة في شركات الأسهم.

7)البدائل الشرعية العملية للمساهمة القائمة على غير الشريعة الإسلامية.

والله ولي التوفيق

أولًا: نشأة شركات الأسهم:

إن نشأة شركات الأسهم في دول العالم الثالث تابع لنشأتها في دول الغرب؛ حيث إن القانون الذي يحكم تلك الشركات هو المطبق الآن في العالم الإسلامي وغيره.

وقد نشأت الشركات في الغرب على أساس استعماري، وأول ما يذكر في تاريخها (شركة المغامرين المكتشفين الإنجليز) ، ثم ظهرت بعد ذلك (شركة الهند الشرقية) ، وهي شركة بريطانية احتكرت تجارة الهند. وكذلك (شركة الهند الشرقية) ، وهي شركة هولندية احتكرت التجارة في جزر الهند الشرقية (إندونيسيا وما جاورها) .

ثم ظهرت الشركات التي نشأت في مصر من أجل الاستيلاء على خيراتها، وخاصة تجارة القطن، وقد طبق على تلك الشركات القانون الفرنسي. ثم تبعتها -أي: مصر- جميع الدول التي تحتاج إلى الخبرة المصرية باعتبارها بوابة العالم العربي والإسلامي.

وقد اشتهر من القانونيين في ذلك الحين السنهوري، فهو كما يقال: (أبو القانون) وقد ألف موسوعة ضخمة في القانون، وكل ذلك مبني على قانون نابليون؛ أول قانون في العالم ينشأ ويأخذ صبغة النظام.

ثم نشأت شركات الرقيق في أفريقيا التي كانت تبيع الرقيق السود لأمريكا وغيرها، وقد ساد عند الناس -من جراء ذلك- أن كل أسود يعتبر رقيقًا ولو كان أصله حرًا.

ثم نشأت شركات البترول، والتي سيطرت على بترول العالم الإسلامي، وتحكمت في إخراجه وتوزيعه وتسويقه بنسب محدودة مع الحكومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت