ومما \سبق يتبين أن الشركات المساهمة ارتبطت في نشأتها تاريخيًا بالاستعمار والاحتكار، وما يعرف بالمذهب الرأسمالي، والذي انبثق من فلسفة نفعية وهي ما يسمى: بالبرجماتية، وهو مذهب لا يحل حلالًا ولا يحرم حرامًا، وهدفه الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المال بأقل كلفة.
ولِما كان لهذه الشركات من الآثار السلبية والضغوط ظهر ما يعرف بنظام الاشتراك، وظهر ما يعرف باسم: المؤسسات العامة التي تدرأ عن الدول الغربية خطر الثورات والاضطرابات العمّالية، وتقبل مساهمات العمال في تلك الشركات، ولتظهر الدولة بمظهر العدالة الاجتماعية؛ لتبقى المحافظة على النظام الرأسمالي النفعي ولو لبس ثوبًا آخر.
نشأ مع هذه الشركات نظامان خادعان:
1-الانتخابات.
2-مجلس الإدارة.
وهما أكذوبتان لا يعرفهما أكثر الناس؛ فإن الانتخابات التي تجري في هذه الشركات تنبني على الديمقراطية التي يحكم فيها الشركاء أنفسهم بأنفسهم، والذي يحكمهم في الحقيقة هم فئة متسلطة معينة مجهزة من وراء الكواليس، لا يعرفها إلا من يدبّر الأمر.
وكذلك أكذوبة مجلس الإدارة في الشركة المساهمة أو في المؤسسات العامة، فهو الآمر الناهي المتصرف بما يشاء كيف شاء، والمساهم فيها لا يعلم شيئًا مما ما يدور في تلك الإدارات أبدًا.
ثانيًا: نظام شركات الأسهم المعمول به اليوم:
عند وضع النظام المعمول به في شركات الأسهم أُلغي الفصل الخاص بالشركات من نظام المحكمة التجارية، وأُحل محلّه النظام المعمول به حاليًا، وهو مأخوذ من القانون المدني المصري، وقد جاء في مقدمته:"بالرغم من أن الشركات التي أسست في تلك الفترة القصيرة قد شملت في أعرافها كافة أوجه النشاط المالي والتجاري والصناعي، وبلغت رءوس الأموال المملوكة لها عدة مئات من الملايين، وزاد إقبال الدوائر الحكومية والأفراد على التعامل معها- فإن نصوص الأنظمة التي تحكمها لا تزيد حتى الآن على بضع مواد وردت في نظام المحكمة التجارية لم تكن كافية لمواجهة كافة المسائل المتعلقة بالشركات عند إنشائها؛ إما خلال مزاولة نشاطها، وإما عند انقضائها وتصفيتها."
وإزاء هذا القصور لجأ الأفراد في تأسيس شركاتهم ومعالجة أمورها إلى اقتباس القواعد المعمول بها في الدول الأخرى، فاختلفت السبل، واختلطت الأمور في كثير من الأحوال اختلاطًا عززت مهمة الوزارة في مراقبتها والإشراف عليها، من هنا بدت الحاجة ملحة إلى وضع نظام شامل للشركات ينص على الأحكام الواجبة الاتباع في تأسيسها ومزاولتها نشاطها..."اهـ."
إذًا: فالمشكلة الشاخصة عند المقننين هي أنهم لم يجدوا عندنا تشريعًا يضبط الشركات -مع تشعبها وكثرتها- إلا بضع مواد في نظام المحكمة التجارية، الذي كان في أصله امتدادًا للقانون العثماني المستمد من فرنسا.
والخلاصة التي نريد الوصول إليها: أن نظام الشركات القائم الآن هو نظام قانوني مستمد من القانون المدني المصري المستمد من القانون الفرنسي.
ثالثًا: موقف العلماء من نظام شركات الأسهم الوضعي:
والسؤال الذي يطرح نفسه عند وضع هذا النظام: أين الشريعة الإسلامية؟! أين الفقه الإسلامي؟! أين علماء الشريعة وفقهاؤها وهم متوافرون وعلى رأسهم فضيلة العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية آنذاك؟!
وإذ قد ثبت أن في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي ما يكفي لوضع نظام متكامل للشركات، فتُرك واستمد نظام الشركات من القانون المدني المصري المستمد من القانون الفرنسي؛ فكيف يجوز الدخول في أسهم الشركات بأي وجه من الوجوه؟!
وكان قد عرض هذا النظام على سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله عند صدوره عام (1369هـ) للمرة الثانية، وبعد دراسته قال رحمه الله:"وبعد دراسة النظام وجدناه نظامًا وضعيًا قانونيًا لا شرعيًا؛ فتحققنا بذلك أنه حيث كانت تلك الغرفة هي المرجع عند النزاع فإنه سيكون فيها محكمة، وسيكون الحكام فيها غير شرعيين؛ بل نظامييين قانونيين، ولا ريب أن هذه مصادمة لما بعث به الله نبيه صلى الله عليه وسلم من الشرع، الذي هو وحده المتعين للحكم به بين الناس، والمستضاء منه عقائدهم وعباداتهم، ومعرفة حلالهم وحرامهم، وفصل النزاع عندما يحصل التنازع، واعتبار شيء من القوانين بالحكم بها ولو في أقل القليل لا شك أنه عدم رضًا بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم - إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها".
بل مما ورد في كلامه رحمه الله: كفر من اعتقد في تلك الأنظمة والقوانين كفاية وغنية عن حكم الله ورسوله، قال رحمه الله:"واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة".
وقال رحمه الله:"والأمر كبير مهم، وليس من الأمور الاجتهادية، وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، وقد قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ) [النساء:59] ."
وقال تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) ) [النساء:65] "."
والخلاصة: أن أصل النظام واستمداده، ثم واضعه، وجهة التحاكم فيه؛ كلها مرجعها ومآلها إلى غير شرع الله، وهذا في الجملة.
وحتى تصح المشاركة والمساهمة في الشركات القائمة؛ لابد من إصلاح وضعها، واستمداد نظامها من الشريعة الإسلامية وفق الضوابط الشرعية، وحسبما نص عليه أهل العلم، وقد أبلى علماؤنا وفقهاؤنا في كتاب الشركات بلاءً حسنًا، حتى إن الموفق ابن قدامة رحمه الله كتب فيه أكثر من ثمانين صفحة (1) .
رابعًا: الأسباب الحاملة على الاشتراك في شركات الأسهم:
لعل أهم الأسباب التي حملت أكثر الناس على الوقوع في المساهمات دون دراسة وتحقق ما يلي:
1-الدعاية والإعلان، وترغيب الناس في ارتفاع قيمة الأسهم فور بداية التداول.
2-كثرة الطمع في الإثراء السريع بدون تعب.
3-تقصير بعض المسلمين في أداء الزكاة والحقوق الواجبة عليهم؛ فسلط الله على أموالهم من يستنزفها ويضحك عليهم.
4-سد باب القرض الحسن، الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم في الأجر بثمانية عشر ضعفًا، والصدقة بعشر حسنات، وكون القرض مرتين يقوم مقام صدقة.
5-التساهل في الفتوى، فتجد البعض يقولون: هذه شركات نقية، وأخرى مختلطة، وثالثة محرمة، دون دراسة لواقع تلك الشركات ومخاطر المساهمات، وما يقع فيها من الكذب والتحايل والجهالة والغرر ما الله به عليم.
وكل يوم تسمع فتوى غير الأخرى، فشيخ يقول: ساهم في الشركات السعودية وقلبك مطمئن دون تفريق، وآخر يفصل ويدخل بعض الشركات في النقية، ثم لا يلبث أن يظهر له عدم نقائها فيلحقها إما بالمختلطة أو بالمحرمة.. وقد أحدث هذا الاختلاف بلبلة بين الناس، فلا يدرون من يصدقون!
خامسًا: مخالفة نظام شركات الأسهم للتشريع الإسلامي في الشركات: