ومن إشاعةِ الفاحشة: الدعوةُ للاختلاط, ونزعِ الحجاب, وعرضُ الفساد والفنِ الرخيص, وبثُ السمومِ والأفكارِ المستوردة, مما لا يتسعُ المقام لسرده وفي الأثر: « وما أعلن قومٌ الفاحشة إلا عمتهم الأوجاعُ, والأسقامُ التي لم تكن في أسلافهم » .
ومن أسبابِ العقوبات: منعُ الزكاة ، تلك التي لو قامَ أثرياءُ المسلمين بأدائها لما وجدتَ بين المسلمين فقيرًا, ولا محتاجًا, وأسمع إلى عقوبةِ الأمة حين تبخل بزكاةِ أموالِها, قال عليه الصلاة والسلام: « وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلا منعوا القطرَ من السماء ولولا البهائمْ لم يمطروا » .
وقد يستخفُ أقوامٌ بهذه العقوبة, ويستطرفونها, لأنهم اعتادوا تدفقَ المياهِ ووفرتَها في بيوتِهم, لكنهم لو قلبوا النظر يمنةً ويسرة في البلادِ التي أصابَها القحطُ والجفاف, لعلموا أنهم كانوا واهمين, وعن الصراط لناكبين .
ومن أسبابِ العقوبات كذلك: تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر, والذي بتركهِ تستفحلُ الفاحشة, وتعمُ الرذيلة, ويستطيلُ الشر, وتخربُ البلادُ والعباد, واسمع لعقوبةِ الأمة حين تتخلى عن فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر: ففي المسندِ وغيرهِ من حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليبعثن الله عليكم عقابا منه, ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم» ( [1] ) ألا فضّ اللهُ أفواهًا, وأخرس ألسنًا تريدُ لهذهِ الفريضةِ أن تموت.
ومن أسبابِ العقوباتِ كذلك: انتشارُ الظُلم في المجتمع, وغيابُ العدلِ فيه,فيأكلُ القويُ الضعيف, وينهبُ الغنيُ الفقير, ويتسلطُ صاحبُ الجاهِ والمكانة على المسالِم المسكين, وحين تسودُ هذه الأخلاقُ الذميمة، والخصالُ المنكرة, ولا تجدُ من يقولُ للظالِم أنتَ ظالم, فقد آن أوانُ العقوبة, واقتربَ أجلُها لو كانوا يفقهون. فعند الترمذي وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام: « إن الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه » ( [2] ) .
ومن أسبابِ العقوبات: فشو الربا وانتشارُه حيث تعاطاه الكثيرون، وأَلِفه الأكثر ون, وقلَّ له الناكرون, واللهُ يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) ) [البقرة:279] .
ويقول سبحانه: (( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) [البقرة:276] .
وذهابُ بركةِ المال, ومحقُ عائدهِ ونتاجهِ ملموسٌ مشاهد, يعترفُ به المرابون ضمنًا أو تصريحًا, والعالمُ الإسلامي اليوم يعاني الأزماتِ الاقتصاديةِ الخانقة, لتورطهِ بتعاطي الربا, وإعراضِه عن الشرعِ المطهر, واستخفافِه بالوعيدِ الإلهي لأكلةِ الربا, ومدمنيه .
أيها المسلمون: أسبابُ العقوباتِ كثيرةٌ, والموضوعُ متشعبٌ وطويلٌ, لكنْ في الإشارةِ ما يُغني عن العبارة، وما لا يُدرك كلُه، لا يتُرك جُله .
اللهم إنَّا نسألُك إيمانًا يُباشرُ قلوبنا، ويقينًا صادقًا، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,
[1] - رواه الترمذي (2169) .
[2] -رواه الترمذي (2168) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
عبد المجيد بن صالح بن عبد العزيز المنصور
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فيحصل أحيانًا من بعض الشركات أو البنوك أو غيرها من المؤسسات ذات الشخصية المعنوية أن تعزم على إيقاف التعاملات المحرمة كالإيداع والإقراض بالفوائد توبة منها إلى الله، ورجوعًا إلى الحق بإرادة جازمة، واقتناعًا منها بخطورة الربا ونحوه .
هذا الموضوع نحتاج إليه في هذا الوقت؛ لكثرة الأسئلة الواردة على طلاب العلم والمفتين عن الآثار المترتبة على إقلاع الشركات والبنوك عن التعاملات المحرمة من جواز المساهمة فيها وحكم الأنشطة المحرمة السابقة قبل التوبة.
وتزداد الحاجة إليه بعد أن بدأنا نسمع بين الفينة والأخرى احتمال توجه كثير من الشركات إلى الأسلمة الحقيقية والتوقف عن الأنشطة المحرمة.
وهذا البحث عبارة عن مشاركة متواضعة في هذا الموضوع ولا أزعم أني أوفيته حقه من كل جوانبه ولعله يكون مفتاح باب لمن أراد أن يلج بحثه بأوفى مما ذُكر فيه؟
فأقول: هل إذا تابت هذه الشركات وأقلعت عن التعاملات المحرمة يقضى لها بما سلف من الأموال المحرمة وبالتالي يجوز المساهمة فيها وتملُك أسهمها بعد إعلان توبتها أو أنه يجب عليها التخلص مما سبق من الأموال المقبوضة بالربا، ولا تملكها بالقبض والتوبة، وبالتالي لا يجوز المساهمة فيها وتَملُّك أسهمها حتى تتخلص من التعاملات المحرمة المقبوضة قبل التوبة كالربا وغيره؟
هذه المسألة يمكن تخريجها على العاصي الذي عاش مدة في مستنقع الفجور والكبائر، وقد تعامل بالحرام والمعاملات الفاسدة والباطلة دهرًا من الزمن لا بجهل يعذر به ولا بتأويل سائغ، ولكن إعراضًا عن طلب العلم الواجب عليه الذي يجنبه الوقوع في هذه المعاملات مع تمكنه من العلم، أو سمع بتحريم هذه البيوع والمعاملات ولم يتركها إعراضًا لا كفرًا بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيرًا .
الأول: من ترك طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه حتى وقع في هذه المعاملات المحرمة غير عالم بتحريمها .
الثاني: من بلغه الخطاب بتحريمها، وعلم بالحكم الشرعي ولم يلتزم اتباعه، تعصبًا لمذهبه أو اتباعًا لهواه وعصيانًا لربه، وهذا هو الأكثر.
فهل يكون حال هذا إذا تاب إلى الله عز وجل ورجع وأناب، وأقر بالتحريم تصديقًا والتزامًا كحال الكافر إذا أسلم على أموال محرمة قد قبضها قبل إسلامه؛ لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام يجب ما قبله، وبالتالي لا يفسخ العقد، و يقر على أمواله التي قبضها حال فسقه، وليس عليه التخلص منها،وتكون له حلالًا طيبًا، ويملكها كما في العقد الصحيح.
أو يجب عليه رد جميع ما اكتسبه من الأموال المحرمة، والتخلص منها، ويجب فسخ العقود الفاسدة المقبوضة، ولم يتملكها طوال تلك المدة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه يجب عليه فسخ تلك العقود والقبوض، ولا يقر عليها، ويؤمر برد جميع ما قبضه من الأموال المحرمة من ربا وميسر ومخدرات ويانصيب ونحو ذلك، أو التخلص منها.
وعلى هذا القول يجب على الشركة رد جميع ما قبضته من الأموال المحرمة من ربا وميسر إن أمكن، وإلا تتخلص منها، ولا تقر عليها، وهذا قول في مذهب الحنابلة (1) ، واختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2) .
وهو قول المالكية (3) في الربا خاصة، فإنه مفسوخ أبدًا فات أم لم يفت، وليس له إلا رأس ماله، أما غيره من العقود فإنه يجب فسخه ما لم يفت (4) .