إذًا فرغدُ العيش, وسعةُ الرزق, يتحولُ في طرفةِ عين, ولمحةِ بصر جوعًا يَذهبُ بالعقول, وتتصدعُ له القلوبُ والأكباد, وإذا البطونُ الملأ والأمعاءُ المتخمة, يتضورُ أصحابُها جوعا, ويصطلون حسرةً وحرمانا, وإذا الأمنُ الذي كانوا يفاخرون به الدنيا, وينسونَ في عجبٍ وغرور المتفضلَ به سبحانه, والمنعمَ به جل جلاله, إذا به ينقلبُ رعبًا وهلعًا, لا يأمن المرءُ على نفسِه وعرضِه, فضلًا عن مالهِ وملكه. فانتشر المجرمون والقتلة يسفكونَ دماءَ الناس, وينتهكونَ أعراضَهم, ويحوزونَ أموالهَم وحوا صلَهم, وأصبح باطنُ الأرض خيرًا من ظاهِرها, في تلك القريةِ البائسةِ المشؤومة, والقرآنُ الكريم حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاءٍ مآلَ تلكَ القريةِ الظالمِ أهلُها, ويقررُ أنَّ ما أصابهَم هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم من التمردِ والجحود, ونكران الجميل, حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كلَّه, فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين, ويخاطبُ غيَرنا, حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها, يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ الذي وقعوا فيه, فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذي ألوا إليه, ولقد ذاقت هذه الأمة ألونًا من العقوباتِ المدمرةِ التي يشيبُ من هو لهِا الوالدان, ولولا أنَّ الذي سطَّرها في كتبهِم, ونَقلَ لنا أخبارَها في مصنفا تِهم, هم أئمةُ الإسلامِ المحققون, كابن كثير, والذهبي,وغيرهِما.لظننا ذلك ضربًا من الخيالِ والتهويل, فإليكم طرفًا مما حدثَ لهذه الأمة حينَ كفرتْ بأنعمِ الله, واستجابتْ لداعي الهوى والشيطان, لعلنا نتعظ ونعتبر, ونلجأ إلى ربنا إذ لا ملجأ من الله إلا إليه. ذكر ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ خبرَ الطاعون الذي أصاب مدينةَ البصرةَ العراقية قال: فمات في اليومِ الأول سبعون ألفا, وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفا, وفي الثالث ثلاثةٌ وسبعون ألفا, وأصبح الناسُ في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس. قال أبو النُفيد:وكان قد أدركَ هذا الطاعون قال: كنَّا نطوفُ بالقبائلِ وندفنُ الموتى, فلما كثروا لم نقوم على الدفن.فكنَّا ندخلُ الدار وقد مات أهلُها, فنسدُ بابهَا عليهم, وفي أحداثِ سنةِ تسعٍ وأربعين وأربعمائة من الهجرة ذكر ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ خبرَ الغلاءِ والجوعِ الذي أصابَ بغداد, بحيث خلتْ أكثرُ الدور, وسُدَّت على أهلِها الأبواب لموتِهم وفناءِهم, وأكلَ الناسُ الجِيفَ والميتةَ من قلةِ الطعام, ووجُد مع امرأةٍ فخذُ كلبٍ قد أخضَّر, وشَوَى رجلٌ صبيةً فأكلَها, وسقطَ طائرٌ ميت فاحتوشته خمسةُ أنفسٍ فاقتسموه, وأكلوه, ووردَ كتابٌ من بخار ى أنَّه ماتَ في يومٍ واحد ثمانيةَ عشرَ ألفَ إنسان, والناسُ يمرون في هذه البلاد, فلا يرون إلا أسواقًا فارغة, وطرقاتٍ خاليةٍ, وأبوابًا مغلقةً, وجاء الخبرُ من أذربيجان أنَّه لم يسلمْ من تلك البلاد إلا العددُ اليسير جدًا, ووقع وباءٌ بالأهوازِ وما حولها, حتى أطبق على البلاد, وكان أكثرُ سببِ ذلك الجوع, فكان الناسُ يشوونَ الكلاب, ويَنبشونَ القبور, ويشوونَ الموتى ويأكلونهم, وليس للناسِ شغلٌ في الليل والنهار إلا غسلُ الأمواتِ ودفنُهم, وكان يدفنُ في القبرِ الواحد العشرونَ والثلاثون. وذكرَ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في أحداثِ سنةِ اثنتين وستين وأربعمائةٍ من الهجرة ما أصابَ بلادَ مصر من الغلاءِ الشديد, والجوعِ العظيم, حتى أكلوا الجيفَ والميتةَ والكلاب, فكان الكلبُ يباع بخمسةِ دنانير, وماتت الفيلة فأكلتْ ميتاتُها, وظُهِرَ على رجلٍ يقتلُ الصبيانَ والنساء, ويدفنُ رؤوسَهم وأطرافَهم, ويبيعُ لحومَهم، فقُتلَ وأُكلَ لحمُه, وكانت الأعراب يقَدَمون بالطعام يبيعونَه في ظاهرِ البلد, لا يتجاسرون على الدخول لئلا يُخطفَ, ويُنهبَ منهم, وكان لا يجسُر أحدٌ أن يدفنَ ميتَه نهارًا, وإنما يدفنُه ليلًا خُفيةً لئلا يُنبشَ قبُره فيؤكل, وفي سنةِ ثلاثٍ وتسعين وخمسمائةٍ من الهجرة, ورد كتابٌ من القاضي الفاضل: إلى ابن الزكي يخبُره فيه أنه في ليلةِ الجمعة التاسعِ من جمادى الآخرة، أتى عارضٌ ـ يعني سحاب ـ فيه ظلما تٌ متكاثفة, وبر وقٌ خاطفة، ورياحٌ عاصفةٌ، فقويَ الجو بها, واشتدَّ هبوبُها, فرجفتْ لها الجدرانُ واصطفقتْ, وتلاقتْ على بعدِها واعتنقتْ,وثار السماء والأرض عجاجا, حتى قيل: إن هذه على هذه قد انطبقت, ولا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها وادٍ, وعاد منها عادٍ, وزادَ عصفُ الريح إلى أن أطفأَ سُرجَ النجوم, ومَزَّقت أديَم السماء, فكنا كما قال الله تعالى: (( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ) ) (البقرة: من الآية19) .
ويردونَ أيديهَم على أعينهِم من البوارق, لا عاصمَ لخطفِ الأبصار, ولا ملجأ من الَخطْبِ، إلا معاقلُ الاستغفار, وفرَّ الناس نساءً ورجالًا وأطفالا, ونفروا من دورِهم خفافًا وثقالا لا يستطيعونَ حيلةً ولا يهتدون سبيلا, فاعتصموا بالمساجدِ الجامعة، وأذعنوا للنَّازلة بأعناقٍ خاضعة، وبوجوهٍ عانية، ينظرون من طرفٍ خفي, ويتوقعون أيَّ خطبٍ جلي, قد انقطعتْ عن الحياةِ عُقولُهم, وعميتْ عن النجاةِ طُرُقهم, ووردتْ الأخبار بأنها قد كُسِرت المراكبُ في البحار، والأشجارُ في القفار، وأتلفتْ خلقًا كثيرا ًمن الأسفار, إلى أن قال:ولا يحسبُ أحدٌ أني أرسلتُ القلمَ محرفًا, والعلم مُجوفًا، فالأمرُ أعظم ولكنَّ الله سلم. انتهى كلامه رحمه الله .
أيها المسلمون: إن هذه العقوباتِ المهلكة, والكوارثَ المفجعة, ليست ضربًا من الخيال، وليس فيها شيء من التهويل والمبالغة، فالله يقول: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (هود:102)
لكن الذي نشأ منذُ نعومةِ أظفاره في بحبوحةٍ من العيش, لم يذقْ مرارة َالجوع طرفةَ عين, حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب, لكنْ سلوا الآباء والأجداد الذين اصطلوا بنارِ الجوع, ولهيبِ الظمأ دهرًا طويلا، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطريق، وعصاباتِ السطو في وضحِ النهار, يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد, فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
فإن للعقوباتِ أسبابًا كثيرةً, ورد ذكرُ بعضهِا في الكتابِ والسنَّةِ، وجامعُها المعاصي والذنوبُ, والتكذيبُ والإعراضُ, فمن أسبابِ العقوباتِ المدمرة, والفواجعِ المهلكة, إقصاءُ الشريعة عن الحكمِ والتشريع, أو تطبيقُها على أضيقِ نطاق, مع المنةِ والأذى, والله يتوعدُ الأمة إن هي فعلتْ ذلك بالخزيِ والنكالِ في الحياةِ الدنيا, ولعذابُ الآخرةِ أشدُ وأبقى,: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) [البقرة: من الآية85] .
ومن أسبابِ العقوباتِ في الدنيا قبلَ الآخرة, إشاعةُ الفاحشةِ في الذين آمنوا. وفي ذلك يقولُ ربنا جل جلاله: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النور:19] .